28 سبتمبر 2008

شعرة معاوية ............

عن الأهرام القاهرية

شعـرة معـاوية
بقلم‏:‏ ســنـاء البيـــسي

هند بنت عتبة كانت قاعدة لا بها ولا عليها مع زوجها الفاكه بن المغيرة يتسامران مضطجعان في دارهما المتسعة اتساع المضيفة التي يعرج إليها المسافر لقسط من الراحة وذو الحاجة لقضاء حاجته‏..‏ ويشاء السميع العليم أن يخرج الفاكه لبعض شأنه ويعود بعد فترة وجيزة ليفاجأ بواحد ممن كان يغشي الدار خارجا مهرولا لا يلوي علي شيء‏,‏ فلم يتمهل الزوج الغيور المستريب ليسأله عن أي من وجهتيه في الدخول والخروج‏,‏ وإنما اندفع تؤججه نيران غيرته ليهبط علي هند صفعا وركلا وطردا واتهاما شائنا‏,‏ ظلت فيه بلا طائل تدافع عن نفسها بين حمم ثورته بأنها لم تر أحدا ولا انتبهت لأحد كي يظن بها الظنون‏..‏
وكثر لغط القوم ليختلي بها والدها لتحري الحقيقة بلسانها مزمعا إذا ما كان الأمر له أصل فسيدس علي الفاكه من يقضي عليه لتخرس من بعد موته الأقاويل‏,‏ أما إذا كان ادعاؤه كاذبا فلا مناص من الذهاب إلي كاهن اليمن ليكشف الستر وتبرأ صاحبة الذيل النظيف‏..‏ ويخرج عتبة مع جماعته من بني عبد مناف وفي صحبتهم ابنته هند مع بعض من نسوة تأنس لهن‏,‏ وعلي الجانب الآخر يخرج الفاكه في جماعته من بني مخزوم‏..‏ وعلي مشارف اليمن يلحظ الأب اضطرابا متزايدا علي ابنته فيسألها الإفصاح‏,‏ فتصارحه بتخوفها من مدي قدرة ذلك الكاهن الذي رحلوا إليه عبر الصحراء شموسا وأقمارا والذي قد يخطئ في حكمه فيدمغ اسمها بالعار إلي آخر العمر بين العرب‏,‏ فطمأنها الأب اللبيب بأنه سيجري في البدء اختبارا لقدرات الكاهن قبل أن يعهد إليه بالقول الفصل في أمرها‏..‏
وقام في السر بدس حبة من القمح في موضع حساس من فرسه فذكر له الكاهن أمرها ومكانها علي الفور‏,‏ وهنا دفع عتبة إليه بالنساء للنظر في أمرهن‏..‏ فجعل يدنو من الواحدة تلو الأخري ليأمرها بالانصراف حتي توقف عند هند فضرب علي كتفها قائلا‏:‏ انهضي يا ابنتي طاهرة غير زانية‏,‏ ولتلدين ملكا يقال له معاوية‏..‏ ويهرع الفاكه إليها ليعيدها لبيته بعد أن برأت ساحتها فتعرض عنه نافرة قائلة‏:‏ والله لأحرصن أن يكون ولدي هذا من غيرك‏..‏ و‏..‏ كان أن تزوجها أبوسفيان فجاء معاوية‏..‏
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر‏,‏ القرشية ربة الحسن والجمال والرأي والشعر‏,‏ المعتدة بذاتها وقومها‏,‏ قوية الخصام‏,‏ رفيعة المقام‏,‏ صاحبة الشخصية الطاغية‏,‏ والأنوثة العارمة التي تبلغ في بعض أحوالها مبلغ الوحشية فكانت تلقب بآكلة الأكباد لأنها لاكت كبد حمزة عم النبي بعد أن قتل رجالها في موقعة بدر قائلة‏:‏ أنا أعظم من الخنساء مصيبة وكان القتلي هم والدها عتبة بن ربيعة‏,‏ وشيبة بن ربيعة‏,‏ وأخاها الوليد بن عتبة‏.‏ وفي يوم أحد كانت تضرب الدفوف لتحريض الرجال علي القتال‏.‏
هند التي قال عنها أبوهريرة‏:‏ رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر وخلفها عجيزتها ـ مؤخرتها ـ مثل الرجل الجالس‏,‏ وكان معها صبي يلعب فمر رجل فنظر إليه قائلا‏:‏ إني لأري غلاما إن عاش ليسودن قومه‏,‏ فقالت هند‏:‏ ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة‏..‏ هند كما يذكر الأصفهاني في أغانيه قد عشقها مسافر بن أبي عمرو بن عبد شمس وعشقته‏,‏ وكان أكثر فتيان قريش جمالا وفصاحة وشعرا‏,‏ ولما شاع خبرهما خافت عليه هند فنصحته ــ لأنه معسر لا يستطيع التقدم لزواجها ــ بالخروج إلي الممالك المجاورة ليصيب مالا لمهرها كي يرضي به أهلها‏,‏ ويسافر مسافر إلي الحيرة ليقربه إليه ملكها النعمان بن المنذر‏,‏ وفي تأهبه لعودة مظفرة حاملا مهرها يقدم أبو سفيان في تجارة له ليرحب به مسافر‏,‏ وكيف لا وفي طيات ثوبه بعض من نسيم الأحبة‏,‏ وفي فمه أحاديث تحلو بذكرهم‏,‏
ويروي أبوسفيان أخبارا متفرقة خاتمتها خبر زواجه بهند بنت عتبة‏..‏ ويسقط مسافر في جب اليأس ليموت كمدا ويدفن في الهبالة قرب مكة في طريقه إلي موطن الحبيبة ليخلد في قائمة شعراء ماتوا عشقا‏..‏ ولا آخر لما جاء عن هند في الأدب والتاريخ وعن زوجها أبوسفيان ــ والد معاوية ــ سيد عشيرته ومحاور هرقل الروم وأمراء بيته‏,‏ والذي أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه‏,‏ الذي قال الرسول صلي الله عليه وسلم عنه في فتح مكة بعدما أسر إليه علي بن أبي طالب بأن أبي سفيان يحب الفخرة فقال صلي الله عليه وسلم‏:‏ من دخل المسجد فهو آمن‏,‏ ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏,‏ وهو والد أم المؤمنين زوج رسول الله أم حبيبة واسمها رملة‏,‏ وقد أتت هند الرسول صلي الله عليه وسلم تطلب من بعد إسلامها عفوه فقال لعمر بن الخطاب بايعهن واستغفر لهن الله فبايعهن عمر‏,‏
وأقر النبي صلي الله عليه وسلم زواجها بأبي سفيان فذهبت لتضرب صنما لها في بيتها بقدوم حتي حطمته قائلة‏:‏ كنا منك في غرور‏..‏ وعادت هند تشكو زوجها للنبي عليه السلام بأنه شديد الغيرة لا يرفع عصاه عن أهله‏,‏ وأنه ممسك شديد التقتير وتسأله‏:‏ هل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالي؟ فأجابها النبي‏:‏ لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف‏.‏
في رحاب البيت العتيق تلد هند قبل البعثة بخمس سنوات ولدها معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر‏,‏ ومن هذا السلسال القرشي العريق لم يكن نسبه وتكوينه غصنا عاديا من أغصان بني أمية‏,‏ ولم يكن شأنه شأن العديد ممن تواري في هدوء ولم نعد نسمع له ذكرا‏,‏ بل إنه ملأ الدنيا وشغل الناس بشعرته وبراعته وسطوته‏,‏ حتي صار مضرب الأمثال في الحلم والحزم‏,‏ والسياسة والكياسة‏,‏ وإن اختلت في بعض الأحايين من حوله الموازين‏,‏ فوضع الذم موضع الحمد‏,‏ والكذب موضع الصدق‏,‏ والخداع موضع الإخلاص والإيمان ولقد ظلم بأفعال أبنائه وكتابة الشيعة لتاريخه‏,‏ فتحول إلي نموذج شرير‏,‏ لدرجة أن نسي الناس فضائله وتذكروا جبروته‏,‏ مع أنه لم يكن في وسع رجل أسلم علي يد النبي وصاحبه‏,‏
وعمل علي أيدي صحابته الكرام‏,‏ أن يغفل عن غيرة دينه‏,‏ وأحكام فرائضه‏,‏ وواجبات المروءة في عرف زمنه‏,‏ وليس أدل علي تبتله وحبه للرسول من أنه أوصي عند وفاته أن يلبسوه ثوبا للرسول أعطاه إياه‏,‏ و أن يذروا في عينيه وفمه نثارة قلامة ظفر للنبي‏,‏ احتفظ به ككنز عمره في قارورة‏,‏ للتبرك به عند وفاته عل الله أن يقبله‏..‏ ليس بالمدقق في الصورة دون سابق تأثير أن تضلله النيات والمزاعم عندما تخرج إليه حقيقة الأخبار والروايات سافرة بلا زيف‏,‏ لا تتواري من خلفها الأسباب والبواعث بحجاب كثيف‏,‏ وما كان أحد ليطمع في بقاء عصر الخلافة علي سنن الراشدين أبد الآبدين‏,‏ فقد انتهي بهم آخر الرجال المصطفين‏,‏ فذلك النسق من الخلق والتقوي في الحكم تنوء به طاقة الإنسان‏,‏ ومن ثم كان قيام الدولة الأموية من بعد عصر الخلافة الرشيدة بمثابة الحادث الجلل بالغ الخطر في تاريخ الإسلام وتاريخ العالم‏,‏
وكان مؤسسها معاوية هو الرجل القدير وإن لم يكن بالرجل العظيم‏,‏ وفي رأي العقاد أن هناك فارقا كبيرا بين القدرة والعظمة فكل عظيم قدير ولكن ليس كل قدير بالعظيم‏..‏ و‏..‏ أبدا لم يكن معاوية زاهدا في الخلافة في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان‏,‏ ولكن الخلافة هي التي كانت زاهدة فيه‏,‏ فلما جاء عصر الملك طلب الملك والملك يطلبه لينال عرشه ويحافظ عليه ويحميه ويوسع جنباته بالفتح الإسلامي الذي ضعضع دولا وأقطارا منها دولة الروم الشرقية‏,‏ حيث غادر هرقل أرض سورية وهو يودعها الوداع الأخير صائحا بنشيج البكاء‏:‏ الوداع يا سورية الوداع الأخير‏
بدأت مع معاوية مرحلة الحكم الإسلامي القائم علي الاستئثار بالسلطة وحصرها في أسرة واحدة تقوم علي توريث الملك للأبناء والأحفاد‏,‏ وبذلك تتحقق نبوءة النبي فيما يرويه ابن كثير في البداية والنهاية‏:‏ إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة‏,‏ ثم يكون رحمة وخلافة‏,‏ ثم ملكا عضوضا‏,‏ ثم عتوا وجبرية وفسادا في الأرض‏..‏ وقد كانت بداية مرحلة الملك العضوض المتسمة باستئثار السلطة وتوريثها علي يد معاوية الذي حصد الحكم في الأسرة الأموية من عام‏41‏ هـ حتي عام‏132‏ هـ‏,‏ ثم تلقفت الحكم من بعده الأسرة العباسية التي توارثت الحكم حتي اندثرت علي يد التتار‏..‏
وقد اعترف معاوية بنفسه برغبته في الخلافة قائلا قبل أن ينالها‏:‏ مازلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله‏:‏ يا معاوية إن ملكت فأحسن وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ أول جيش من أمتي يغزو مدينة قيصر ــ أي القسطنطينية ــ مغفور لهم وهذا يعود بالغفران لمعاوية بسبب فتوحاته‏,‏ وكان عثمان يسمع الشكايات ممن يطلبون منه عزل ولاته وأولهم معاوية فكان يقدم عذره المعهود قائلا‏:‏ إنما ولي علي الشام من ارتضاه من قبل عمر بن الخطاب‏..‏ ولم يكن معاوية غير أهل للخلافة فقد ظل يحكم المسلمين عشرين عاما خليفة‏,‏ بعد أن ظل مثلها أميرا علي الشام‏,‏
فكان أهلا لها طوال الأربعين ــ أميرا وخليفة ــ ليشهد بنفسه علي قدرته علي الملك الدنيوي قائلا‏:‏ إن أبا بكر رضي الله عنه لم يرد الدنيا ولم ترده‏,‏ وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها‏,‏ وأما عثمان فنال منها ونالت منه‏,‏ وأما أنا فمالت بي وملت بها‏,‏ وأنا ألبنها ــ أشرب لبنها ــ فهي أمي وأنا ابنها‏,‏ فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم‏..‏ وقد قالها في لحظة اعتراف كما جاء في الطبري‏:‏ ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا‏..‏ فقد عرفت أنكم تفعلون ذلك‏,‏ ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم‏..‏ وقد تتابع عليه في أيامه الأولي من يقول له‏:‏ السلام عليكم أيها الملك‏..‏ فكان ينكر الاسم ولا ينكر السمة‏.‏ إلي أن تنازعه الخيار بين ترك السمة أو التمادي فيها‏,‏ فتمادي فيها وقال مجاهرا لمن حوله‏:‏ نعم أنا أول الملوك‏..‏
معاوية رجل السياسة الذي لا يغلق بابا‏..‏ مؤسس الدبلوماسية الذي جعل الاختلاف لا يفسد للود قضية‏..‏ الداهية الذي نادي بالتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه‏..‏ رأس الدولة المحنك الذي رفع شعار لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت‏,‏ فسأله بعضهم‏:‏ كيف ذلك؟ فقال‏:‏ إذا شدوها أرخيتها‏,‏ وإذا أرخوها شددتها‏..‏ وكان قوام حيلته في الحكم شعار فرق تسد والذي لو استطاع أن يجعل من كل رجل في دولته حزبا منافسا لغيره لفعل‏,‏ وإذا ما اشتهر معاوية بحلمه فقد كان الحلم عنده وسيلة من وسائل التحبب إلي الناس والدعاية السياسية التي يعزز بها حجته‏,‏ وحد الحكم عنده ألا يكون في العدوان والتطاول مساس بملكه وسلطانه‏,‏ فالكلاب تعوي والقافلة تسير‏,‏ والحليم من يملك الغضب ولا يملكه الغضب‏,‏ وكان في حلمه أشبه بالجمل الصبور‏,‏ لأنه ليس بالأسد الصهور‏,‏
ولقد أغلظ له رجل فأكثر فقيل له‏:‏ أتحلم عن هذا أيضا؟‏!‏ فقال‏:‏ إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا‏!‏ وكان يقول‏:‏ يا بني أمية فارقوا قريشا بالحلم‏,‏ فوالله لقد كنت ألقي الرجل في الجاهلية فيوسعني شتما وأوسعه حلما‏,‏ فأرجع وهو لي صديق‏,‏ إن استنجدته أنجدني‏,‏ وأثور به فيثور معي‏,‏ وما وضع الحلم عن شريف شرفه ولا زاده إلا كرما‏,‏ وكان من أقواله‏:‏ إني لأرفع نفسي أن يكون هناك ذنب أعظم من عفوي‏,‏ وجهل أكبر من حلمي‏,‏ وعورة لا أواريها بستري‏,‏ وإساءة أكثر من إحساني والصفح عن المسيء مع القدرة علي البطش به من أقرب الوسائل إلي كسب ولائه‏..‏ وإذا ما كان معاوية قد اشتهر بالحلم فحلمه قطرة من بحر والده أبي سفيان سليل العائلة التي قال عنها معاوية‏:‏ إذا لم يكن الأموي حليما فقد فارق أصله وخالف آباءه‏..‏
وقد جاء في العقد الفريد عندما استدعي الخليفة عمر بن الخطاب بعض ولاته لمشاورتهم في أعمالهم فقدم معاوية من الشام‏,‏ وعمرو بن العاص من مصر ليجلسا بين يديه يقدمان كشف الحساب‏,‏ فاعترض بن العاص كلام معاوية الذي استاء منه قائلا له‏:‏ هلم إذا لتخبر أمير المؤمنين عن عملي وأخبره عن عملك‏,‏ فخشي عمرو تفوق معاوية عليه‏..‏ فأردت أن أفعل شيئا أشغل به عمر عن ذلك فرفعت يدي ولطمت معاوية‏..‏ وانتظر الحضور ردة فعل معاوية عن الإهانة التي أصابته إلا أنه قال بهدوء‏:‏ إن أبي أمرني ألا أقضي أمرا دونه‏..‏ فأرسل ابن الخطاب إلي أبي سفيان فلما أتاه ألقي له وسادة للجلوس مرددا قول النبي عليه السلام‏:‏ إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ثم قص عليه ما جري بين عمرو ومعاوية فقال أبي سفيان‏:‏ ألهذا بعثت إلي؟‏!‏ أخوه وابن عمه وقد أتي غير كبير‏!!‏
وقد روي ابن حنبل في المسند‏,‏ والطبراني في المعجم الكبير‏,‏ والبخاري في التاريخ الكبير عن ابن سارقة قوله‏:‏ سمعت رسول الله يدعونا إلي السحور في رمضان وهو يقول‏:‏ اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب ويضيف ابن جرير‏:‏ وادخله الجنة‏..‏ وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين تحب أخاها معاوية وتطلب من الرسول أن يدعو له‏,‏ فاستجاب الرسول ودعا‏:‏ اللهم اجعله هاديا مهديا‏,‏ وروي المعاوية عن النبي عليه السلام مائة وثلاثة وستون حديثا‏,‏ وفي ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أتي جبريل عليه السلام إلي رسول الله فقال‏:‏ يا محمد اقرئ معاوية السلام واستوصي به خيرا فإنه أمين الله علي كتابه ووحيه ونعم الأمين‏..‏ وفي البخاري ومسلم وابن حنبل عن ابن عباس قوله‏:‏ كنت ألعب مع الغلمان‏,‏
فإذا رسول الله يقول‏:‏ اذهب فادع لي معاوية ــ وكان يكتب الوحي ــ فذهبت فدعوته له فقيل‏:‏ إنه يأكل‏,‏ فأتيت رسول الله فقلت‏:‏ إنه يأكل‏,‏ فقال‏:‏ اذهب فادعه‏,‏ فأتيته الثانية فقيل‏:‏ إنه يأكل‏,‏ فأخبرته‏,‏ فقال في الثالثة‏:‏ لا أشبع الله بطنه قال‏:‏ فما شبع بعدها‏..‏ وقد لصقت الدعوة بمعاوية فكان يأكل في اليوم سبع مرات ويقول‏:‏ والله ما شبعت ولكني مللت وقد اتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري بأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال‏:‏ اللهم إنما أنا بشر‏,‏ فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا‏,‏ فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة‏.‏ ولم يزل معاوية يكتب للرسول إلي أن انتقل إلي جوار ربه‏.‏
ولكل قدير أوائل‏,‏ وأوليات معاوية لا حصر لها منها‏:‏ أنه أول من أحدث الآذان في العيد‏,‏ وأول من أحدث الخطبة قبل صلاة العيد‏,‏ وأول من أوتر بعد العشاء بركعة واحدة‏,‏ وأول من وضع نظام البريد في الإسلام‏,‏ وأول من خطب في الناس جالسا وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه‏,‏ وأول من اتخذ الخصيان لخدمته الخاصة‏,‏ وأول من اتخذ ديوان الخاتم وكان محفورا علي فصه لكل عمل ثواب‏,‏ وأول من اتخذ المقصورة في الجامع‏,‏ وأول من أذن بتجريد الكعبة وكانت كسوتها من قبل تطرح عليها طبقات‏,‏ وأول من استحلف في البيعة فقد ذكر عبدالله بن مروان أنه استحلفهم في بيعته بالطلاق والعتاق‏,‏ وأول من عني بتسجيل المواليد والوفيات ليتمكن من ضبط مرتبات الجنود‏,‏ وأول من خرج غازيا في البحر وكان في زمن عمر بن الخطاب قد ألح في غزو البحر‏,‏ خاصة لقرب الروم من بلدة حمص قائلا في وصف ذلك القرب‏:‏ إن قرية من قري حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم‏,‏
وكاد عمر أن يوافقه علي الغزو إلا أنه أرسل خطابا لعمرو بن العاص يطلب فيه‏:‏ صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه‏,‏ فكتب له عمرو‏:‏ إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير‏,‏ إن ركن ــ سكن ــ خرق القلوب‏,‏ وإن تحرك أزاغ العقول‏,‏ يزداد فيه اليقين قلة‏,‏ والشك كثرة‏,‏ هم فيه كدود علي عود‏,‏ إن مال غرق‏,‏ وإن نجا برق‏,‏ فلما قرأه عمر كان رده علي ابن العاص‏:‏ لا والذي بعث محمدا بالحق‏,‏ لا أحمل فيه مسلما أبدا‏,‏ وكتب خطابا آخر بهذا الصدد إلي معاوية يقول فيه‏:‏ إنا سمعنا أن بحر الشام يشرف علي أطول شيء علي الأرض‏,‏ يستأذن الله في كل يوم وليلة أن يفيض علي الأرض فيغرقها‏,‏ فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستعصب‏,‏ وتالله لمسلم أحب إلي مما حوت الروم‏,‏ فإياك أن تعرض لي‏..‏
فطوي معاوية أمره في طيات نفسه حتي إذا وجد الفرصة في زمان عثمان كرر المحاولة فاستجاب عثمان بشرط‏:‏ لا تنتخب الناس‏,‏ ولا تجري عليهم القرعة‏,‏ خيرهم‏,‏ فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه‏,‏ وغزا معاوية بخمسين رجلا في أول حملة بحرية ولم يغرق أحد وكان يركب قاربا في الطليعة‏,‏ ومن بعدها في سنة ثمان وعشرين غزا قبرص‏,‏ وبلغ عدد الأساطيل في عهده‏1700‏ كاملة العدة والعدد‏,‏ وقد روي البخاري عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان أنها قالت‏:‏ نام النبي صلي الله عليه وسلم يوما ثم استيقظ يبتسم‏,‏ فقلت‏:‏ ما أضحكك؟ قال أناس من أمتي عرضوا علي يركبون البحر الأخضر كالملوك علي الأسرة‏,‏ فقلت‏:‏ فادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها أن تكون من الأولين‏,‏ فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيا مع معاوية في البحر‏,‏ فلما انتهت غزوتهم وقعت من فوق دابة فماتت ليقام لها في قبرص ضريح يتبرك به الأتراك للآن ويطلقون علي صاحبته لقب الطاهرة‏..‏ ومن قبرص إلي رودس إلي بلاد الروم‏,‏ والسند‏,‏ وكابل‏,‏ والأهواز‏,‏ وما وراء النهر‏,‏ وشمال أفريقيا كلها في عهد معاوية‏,‏ حتي وصلت إلي أكبر اتساع لدولة في تاريخ الإسلام‏..‏
هذا ولم تعد تصيبني الدهشة أو أتوقف طويلا عندها‏,‏ بل لقد أصبحت بمثابة اللازمة عندي في أن أشمر عن ساعد الجد وأنا مقبلة علي إحصاء عدد الزوجات والأزواج لكل من أجدادنا وجداتنا العرب‏,‏ إلي جانب العنت الذي ألاقيه في حصر أسماء الأبناء والبنات المتشابهة في شجرة كل عشيرة‏,‏ ومن هذا المنطلق فقد أحصيت لأبي سفيان ثماني زوجات هن‏:‏ سمية أم ابنة زياد‏,‏ وصفية‏,‏ وزينب‏,‏ وأزدية‏,‏ وصفية بنت أبي العاص‏,‏ ولبابة‏,‏ وأم رملة‏,‏ وهند بنت عتبة أم معاوية بيت قصيدنا‏..‏ وكان حظ أبي سفيان من الأبناء الذكور ثمانية هم‏:‏ حنظلة‏,‏ ويزيد‏,‏ ومحمد‏,‏ وعنبسة‏,‏ وعمر‏,‏ وعتبة‏,‏ وزياد‏,‏ ومعاوية‏..‏ ومن البنات ثمان هن‏:‏ أميمة‏,‏ وهند‏,‏ وصخرة‏,‏ وميمونة‏,‏ ورملة‏,‏ وجويرية‏,‏ وأم الحكم‏,‏ وأم المؤمنين أم حبيبة‏...‏
وعلي ذكر نساء معاوية فهن‏:‏ ميسون التي أنجبت له يزيد أشهر أولاده وبنتا اسمتها هند‏,‏ وفاختة التي ولدت له عبدالرحمن وبه كان يكني‏,‏ وعبدالله وكان ضعيف العقل‏,‏ ونائلة‏,‏ وكتوة وقد غزا قبرص وهي في صحبته وماتت هناك‏,‏ وفاطمة بنت أبي أمية المخزومي وكانت زوجة لعمر بن الخطاب فلما أراد الهجرة أبت مصاحبته فطلقها ليتزوجها معاوية‏..‏ ويذكر المؤرخون ابنته صفية دون ذكر أمها وقد تزوجت محمد بن زياد ابن أبيه‏...‏ وأبدا لم يكن من عادات العرب أن يمكث الرجل بلا زواج بعد وفاة زوجته‏,‏ أو أن يقضي مثلها قبل ارتباطه بأخري شهور عدة مثل عدة الوفاة الواجبة علي الأرملة‏,‏ والتي تمكث أربعة أشهر وعشرة أيام‏,‏ فقد عقد النبي صلي الله عليه وسلم علي سودة وعائشة في شهر شوال بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها في شهر رمضان لعشر خلون منه‏,‏ كما ذكر الدمياطي والواقدي‏,‏ وتزوج علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة الزهراء بسبع ليال‏,‏ وتزوج أحمد بن حنبل في اليوم الثاني من وفاة أم ولده عبدالله قائلا‏:‏ أكره أن أبيت عزبا ــ أعلام النساء ــ وقام سعيد بن المسيب بتزويج ابنته لتلميذه عبدالله بن أبي أوفي وذلك في اليوم الثاني من وفاة زوجته‏.‏
وقد وجدتها في كامل روعتها عند معاوية‏..‏ تلك الدماثة والحنان الأبوي‏,‏ وذلك الفهم الجميل لطبيعة الأنثي وذلك في تعامله مع بناته حتي إنه قد أثار عجب عمرو بن العاص عندما دخل عليه فوجده يرقص مسرورا إحدي بناته‏,‏ ولما قرأ معاوية علامات الدهشة علي وجه صاحبه قال له لائما‏:‏ ويحك‏..‏ هذه تفاحة القلب‏..‏
معاوية‏..‏ نتاج أبي سفيان وهند‏..‏ الأم هند التي دخل عليها ابنها قادما من الشام واليا عليها من قبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فلاقته قائلة‏:‏ يا بني‏..‏ قلما ولدت حرة مثلك‏,‏ وقد استعملك ذلك الرجل فاعمل بما وافقه‏..‏ أحببت ذلك أم كرهت ويذهب معاوية إلي أبيه أبي سفيان فيلاقيه بقوله‏:‏ يا بني هذا الرهط من المهاجرين سبقونا وتخلفنا عنهم‏,‏ فرفعهم سبقهم وقصر بنا تأخرنا‏,‏ فصرنا تبعا وصاروا قادة‏,‏ وقد قلدوك عظيما من أمرهم فنافس عليه فإن بلغت فيه الأمد أورثته عقبك‏..‏ وكانت النصيحة بطرفيها واحدة‏..‏ معناها ساير أمورك‏..‏ وقد كان‏..‏ بلغ معاوية الأمد‏..‏ حامل أحلام هند حكم فحلم فقهر الأعداء وأرسي قواعد دولة بني أمية وأورث الحكم للابن يزيد‏..‏ وظل للمنتهي يفاخر الناس بقوله‏:‏ أنا ابن هند‏.!

موضوع منقول عن صحيفة الوطن الكويتية - مؤتمر القدس في الكويت


مؤتمر القدس اختتم فعالياته بالمطالبة بمضاعفة الجهود لنصرة القضية الفلسطينية
بعض القوى الخارجية أدخلتنا في صراعات جانبية لتمرير سياستها على المنطقة
المتحدثون في الجلسة الاخيرة للمؤتمر
كتب عباس دشتي: اختتم مؤتمر القدس السنوي السادس فعالياته التي اقيمت تحت اشراف حركة التوافق الوطني الاسلامية بديوان السيد محمد باقر المهري بحضور النائب صالح عاشور والوزير السابق عبدالوهاب الوزان وعدد من الاكاديميين والفعاليات واركان السفارة الايرانية، اضافة الى سفير الفاتيكان في الكويت.وطالب المشاركون الانظمة العربية والاسلامية بمضاعفة جهودها من اجل نصرة القضية الفلسطينية وعدم الجري خلف السراب وايجاد البرامج الاستراتيجية لتحقيق الاهداف المرجوة التي بامكانها التصدي للسياسة الاسرائيلية المعتمدة على الردع وكسر القوى السياسية العربية والاسلامية.اسرائيل خليقة حديثةالمطران د. كاميللو بالين مطران الكنيسة الكاثوليكية في الكويت تطرق الى بحث تاريخي حول ارض فلسطين قبل 4200 عام اي قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، واشار الى ان الكنعانيين هم اول شعب عمر فلسطين ثم تواصلت هجرة شعوب سامية وغير سامية مثل الهكسوس والحوريين ومن الهند وايران وكذلك بعض القبائل الاسرائيلية فيما بعد، مشيرا الى وجود صراع بين هذه الشعوب من اجل الاستيلاء على المدن، بوجود عدد من الانبياء والرسل في هذه الارض مثل سيدنا داوود وسليمان عليهما السلام ثم الاشورين والبابليين فالامبراطورية الرومانية.واوضح بان الامبراطورية الرومانية طردت اليهود من ارشليم عام 135م واصبح خلفاء اسرائيل القديم غرباء في وطنهم واجبروا على ترك المدينة المقدسة وخضع اليهود للحكم البيزنطي.واختتم المطران بالين كلمته بالتأكيد بان اسرائيل الحالية ليست امتداداً لاسرائيل القديمة بل خليقة حديثة اتت بعد اتفاقيات سياسية واقتصادية مع بعض دول العالم.الاستراتيجية العربية سراببدوره اكد د.علي الطراح استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت في كلمة على دور وسائل اعلام المجتمع المدني في تعبئة الرأي العام لنصرة القدس قائلاً ان الانقسام العربي الاسلامي في العصر الحالي يعتبر من اسوأ الاوضاع التي وصلنا اليها، وان حالة الانقسام والازمة النفسية التي نعاني منها الآن وصلت الي كيان الدولة الواحدة محملاً بعض الانظمة مسؤولية ضياع الحق العربي في فلسطين بحيث تفاقمت الازمة وامتدت الى زعامات المجتمع المدني وتجاوز هذا الصراع كل الحدود ليمتد الصراع بين القوى الفلسطينية في فلسطين وجاء الصراع على حساب القضية المركزية.وكذلك وجود صراع اقليمي في لبنان وفي العراق، ناهيك عن اوجه الازمات في الدول العربية.وتساءل د.الطراح عن اسباب هذه الأزمات والضعف الذي يواجه الانظمة العربية، مشيرا الى ان سياسة اسرائيل تقوم على فلسفة الردع بالارتباط مع الدول العظمى وهو تحالف استراتيجي وسياسة الردع بما يسمى الحرب الاستباقية التي تعتمد على كسر أية محاولة في المحيط الاقليمي الخاص باسرائيل، وبالفعل نجحت بذلك في المنطقة العربية حيث كانت تكسير القوى السياسية والشعبية لدرجة انها لم تتمكن من النهوض واداء عملها، كما اكد ان الانظمة ليس لديها استراتيجية واحدة في التعامل مع الوضع الفلسطيني لوجود استراتيجيات لا تقوم على مصلحة وطنية او قومية وانما تقوم على المصلحة الخاصة في تحالفاتها، مؤكدا ان الانظمة العربية تجري وراء السراب وهذه هي الازمة الحقيقية التي ادخلتنا في صراعات مختلفة وابعدتنا عن القضايا العربية والاسلامية، منوها ان من هذه التحولات الكبيرة التي حدثت في المنطقة الملف النووي الايراني حيث استطاعت بعض القوى الخارجية ادخالنا في صراعات جانبية لتمرير سياستها على المنطقة وهكذا.الدور المطلوبواختتم المستشار الاعلامي فيصل الدويسان اوراق العمل في المؤتمر بكلمة حول دور وسائل الاعلام في المجتمع المدني قائلا إن المجتمع المدني رابطة اجتماعية تعتمد على الاختيار الطوعي في الانضمام لتجمع ما والاسهام في انشطته.واشار الى ان اصحاب القضية الفلسطينية لعبوا دورا سلبيا في مثل الدور المطلوب لتعبئة الرأي العام المقاوم، حين رضخوا لاتجاه «الآلام»، اضافة الى رأي وشعور آخر بأن المقاومة ضرب من تحدي الواقع والحقيقة المؤلمة وعليه واصلت مختلف وسائل الاعلام اهتمامها بمنظمات المجتمع المدني وتغطية انشطتها بشكل سطحي دون التركيز على القضية الاساسية وهي قضية القدس.واوضح بأن الاعلام العربي متناقض تجاه قضية القدس، كما باتت القضية الفلسطينية رهن النظام السياسي العربي الحاكم ورؤيته السياسية، بل ذهبت بعض الانظمة الى تثبيط كل العزائم وتوهين الارادة.ودعا الدويسان الى خلق تشريعات لكسر طوق الرقابة على وسائل الاعلام وعلى منظمات المجتمع المدني لضمان ممارستها بحرية واستقلالية وتأهيل الشباب العربي الواعي في مجاجل وسائل الاتصالات المختلفة، وانتاج برامج استعلامية لنسخ المجتمع الصهيوني.وفي الختام تم تكريم المشاركين في المؤتمر حيث قام السيد محمد باقر المهري بتوزيع الدروع التذكارية.
تاريخ النشر 28/09/2008

25 سبتمبر 2008

مؤسسة البابطين تفتتح دورة المعجم في 27 اكتوبر القادم بالكويت



القدس-المتوسط للأعلام- حددت مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري يوم 27 من أكتوبر المقبل موعدًا لانطلاق دورتها الحادية عشرة في الكويت، والتي سمتها «دورة المعجم»، وأشار تقرير صحفي صادر عن المؤسسة أن الدورة سوف تستمر ثلاثة أيام بحيث تنتهي يوم 29 أكتوبر. ويحضرها حوالي 500 مدعو من شخصيات فكرية وسياسية وثقافية من شتى دول العالم.
وأعلنت المؤسسة بهده المناسبة عن مجموعة من الإصدارات الأدبية الجديدة التي سوف تصدرها بالتزامن مع هذه الدورة وعلى رأسها: «معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين»، والذي حملت الدورة اسمه، ويضم تراجم وأشعار لثمانية آلاف شاعر كتبوا بالعربية، واستمر العمل به مدة أحد عشر عامًا متواصلة.
كما تصدر المؤسسة إلى جانب المعجم الكتب التالية: ديوان صقر الشبيب في طبعة خاصة أعدها وأضاف إليها وقدم لها الدكتور يعقوب الغنيم عن طبعة المرحوم أحمد البشر، وإيليا أبوماضي (الأعمال الشعرية الكاملة) جمع وتقديم د. عبدالكريم الأشتر، وديوان الأخرس: (عبدالغفار بن عبدالواحد بن وهب الموصلي البغدادي البصري ت 1874م) تحقيق وليد الأعظمي. و «صورة الغرب في الشعر العربي الحديث»، تأليف د. إيهاب النجدي، وكتاب ندوة الثقافة وحوار الحضارات والمناقشات في دورة شوقي ولامارتين، للكتاب: د. أمين مشاقبة، د. باسكال بونيفاس، د. جون بول دوشارني، د. حسن حنفي، د.بي.إس. كوننغزفلد، د. سامج كريم، د.عبدالحميد الفهري، د. عبدالمنعم سعيد، د. غالب بن شيخ، د. كارلوس بركيتاس، د. محمد الشرفي، د. ميشيل كاباسو، وكتاب الندوة الأدبية.. الأبحاث والمناقشات في دورة شوقي ولامارتين، للكتاب: د. بطرس حلاق، د. بيير برونيل، د. خليل الموسى، د. صالح جواد الطعمة، د.علي كورخان، د. فلوريال سانغوستان، د.فوزي عيسى، د. قدرية عوش، د.ليلي أنفار شندروف، د. محمد الحداد، د. محمود الربيعي، د.مصباح الصمد، د.موريل لوابر، د. نجمة إدريس، د. نفيسة شاش. وكتاب الأديب الكبير أبوالقاسم محمد كرو: إعداد عبدالعزيز جمعة، وكتاب الدكتور عزالدين إسماعيل.. ذكرى وتكريم، إعداد الأمانة العامة للمؤسسة، والفائزون بجائزة الإبداع الشعري التكريمية 1990 - 2008، والفائزون بجائزة أفضل قصيدة 1990 - 2008 وكلاهما من إعداد جمال البيلي.

17 سبتمبر 2008

العرب من وجهة نظر يابانية !

هذا الموضوع منقول ... يتم إعادة نشره للأهمية

وقفات مع كتاب (العرب.. وجهة نظر يابانية)
لأستاذ الأدب العربي المعاصر بجامعة طوكيو (نوبو أكي نوتوهارا)
منشورات دار الجمل ألمانيا ط1، 2003م
محمد عبد الرزاق القشعمي

بعد أن امضى أكثر من أربعين عاما في سفر دائم بين العواصم العربية والأرياف والبوادي، إذ بدأها طالبا في قسم الدراسات العربية بجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية ثم مدرسا للأدب العربي المعاصر في الجامعة نفسها.
تنقل بين العواصم والأرياف من القاهرة والصعيد إلى دمشق وباديتها إلى اقصى المغرب العربي إلى اقصى مشرقه حيث اليمن وحضرموت..
كوّن صداقات وعلاقات واسعة أحبهم وأحبوه فقال: (أربعون عاما تدفعني دفعاً لأقول بعض الأفكار والانطباعات عن الشخصية العربية المعاصرة، تجربتي تقودني إلى هذا الكتاب وعلاقتي الحميمة مع الشخصية العربية تشجعني، واعترف ايضا ان بعض أصدقائي العرب ألحوا عليّ أن أكتب بالعربية شيئا مما أعرفه على تواضعه وها أنا ذا افتح عيني على مداهما لأرى لا بعين المراقب المقارن، ولكن المراقب المحب الحريص، المراقب الذي أعطى الشخصية العربية حتى الآن أربعين عاماً من عمره).
أول ما يصدم السائح أو أول ما ينطبع في ذهن الزائر لبلد ما هو سائق الأجرة وتعامله.. فها هو يصف زيارته الثانية للقاهرة قبل ثلاثين عاماً (1974م) فيقول:(.. حتى في التاكسي يواجه الراكب اضطهاداً فالسائق يختار الراكب حسب المكان الذي يريد الذهاب إليه، ويرفض أن يقل الشخص الذي لا يعجبه شكله أو المسافة التي سيقطعها ، شيء لا يصدق عندنا في اليابان.
باختصار التوتر يغطي الشارع، توتر شديد تتوقع ان ينقطع في أي لحظة، هذا التوتر يجعل الناس يتبادلون نظرات عدوانية ويزيد توتر المدينة نفسها أكثر فأكثر.
وفي نقطة أخرى.. عندما يرى الزحمة والطوابير الطويلة أمام مبنى قسم الهجرة والجوازات.. والموظفون الحكوميون لا يبالون بالناس..
كان الموظف الحكومي ينهي الأمر بكلمة واحدة في نهاية الدوام: بكرة، وهذا يعني ان على ما بقي من الطابور أن يستأنف الوقوف نفسه في صباح اليوم التالي، ويقول: (هناك استثناء لمن يعرف أحد الموظفين عندئذ يتم انجاز المعاملة بسرعة كبيرة).
ويقول إنه كثيراً ما يسمع في الراديو والتلفزيون ويقرأ في الجرائد كلمات مثل: الديمقراطية، حقوق الإنسان، حرية المواطن، سيادة الشعب، وكان يشعر وهو يتابع سماع تلك العبارات أن الحكومة لا تعامل الناس بجدية بل تسخر منهم وتضحك عليهم.. ويتساءل: هل يستطيع المرء أن يتجاهل الصلة القائمة بين هذا الاسلوب الذي يستغبي الشعب والتوتر الذي يسيطر على جموع الناس العاديين؟
ويقول إنه زار الكثير من العواصم العربية فهل تختلف تلك العواصم العربية عن القاهرة.. هو لا يستطيع أن يعقد مقارنة أو لا يريد.. فهذا ليس في استطاعته ولكنه يقول: إن الناس في شوارع المدن العربية ليسوا سعداء وليسوا مرتاحين،.. سمع صرخة مازالت مدوية في أذنه في هذا الجو الخانق.. فها هو يتلمس جذور تلك الصرخة وأسبابها.. ويقدم بعض النقاط التي تسم الشخصية العربية المعاصرة.. من خلال ما لاحظه عند إقامته في البلدان العربية بصورة عامة.. فهو يؤكد انه اعطى القضية العربية عمره كله فمن حقه أن يقول شيئا مباشراً...
أول ما يلاحظه في المجتمع العربي هو غياب العدالة الاجتماعية.. ( وهذا يعني غياب المبدأ الأساسي الذي يعتمد عليه الناس، مما يؤدي إلى الفوضى، ففي غياب العدالة الاجتماعية وسيادة القوانين على الجميع بالتساوي يستطيع الناس أن يفعلوا كل شيء..
تحت ظروف غياب العدالة الاجتماعية تتعرض حقوق الإنسان للخطر، ولذلك يصبح الفرد هشا ومؤقتا وساكنا بلا فعالية لأنه يعامل دائماً بلا تقدير لقيمته كإنسان..).
ويستغرب لماذا يكثرون من استعمال كلمة الديمقراطية وهم لا يستعملونها بل يفعلون عكسها تماما، فلهذا نجده يقول: (عندما تغيب الديمقراطية ينتشر القمع، والقمع واقع لا يحتاج إلى برهان في البلدان العربية..
فعل سبيل المثال الحاكم العربي يحكم مدى الحياة في الدولة.. ولذلك لا ينتظر الناس أي شيء لصالحهم.. وكمثال آخر فإن معظم الصحف العربية تمنع من بلد إلى بلد والرقابة على الكتب والمجلات.. هناك مئات الكتب العربية وغير العربية ممنوعة في معظم البلدان العربية وخاصة الكتب التي تعالج الحقائق اليومية الملموسة للناس).. ويذكر أنه عندما كان يعد كتاباً باليابانية عن مصر لم يجد كتاب جمال حمدان (شخصية مصر) لأنه كان ممنوعا من مصر رغم أنه يعتز بمصريته، ويذكر أيضا من الكتب الممنوعة (الخبز الحافي) لمحمد شكري و (الثالوث المحرم) لأبي علي ياسين.. ويعلق قائلاً: (كل هذا يعني غياب حرية الرأي وحرية الكلام، عندنا في اليابان نقول عندما لا نستطيع أن نتكلم بحرية: عندما افتح فمي فإن هواء الخريف ينقل البرد إلى شفتي، والعربي عندما لا يستطيع ان يصرح بما في نفسه عليه أن يقول تحت لساني جمرة).
ويقول في مقدمة كتابه (.. أعتقد أن القمع هو داء عضال في المجتمع العربي ولذلك فإن أي كاتب أو باحث يتحدث عن المجتمع العربي دون وعي هذه الحقيقة البسيطة الواضحة فإنني لا أعتبر حديثه مفيدا وجديا، إذ لابد من الانطلاق بداية من الإقرار بأن القمع بكافة أشكاله مترسخ في المجتمعات العربية).. في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود القمع وتذوب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان يغيب أيضا الوعي بالمسؤولية، ولذلك لا يشعر المواطن العربي بمسؤولية عن الممتلكات العامة مثل الحدائق العامة والشوارع ومناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات باختصار المرافق العامة كلها، ولذلك يدمرها الناس اعتقادا منهم انهم يدمرون ممتلكات الحكومة لا ممتلكاتهم هم.. وهكذا يغيب الشعور بالمسؤولية تجاه أفراد المجتمع الآخرين).
ثم يقارن المجتمع الياباني بالمجتمع العربي بعد أن يعرض تجربة اليابان الصعبة والمريرة فيقول: (لقد سيطر العسكريون على الإمبراطورية والسلطة والشعب، وقادوا البلاد إلى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة وانتهى الأمر بتدمير اليابان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية، هذا حدث في تاريخنا القريب ودفع الشعب الياباني ثمنا باهظا ولكننا وعينا خطأنا وقررنا أن نصححه فأبعدنا العسكريين عن السلطة وبدأنا نبني ما دمره القمع العسكري لقد عانى اليابانيون كثيرا لكي يخرجوا من الخطأ واستغرق ذلك أكثر من عشرين سنة.
ومن المعاناة نفسها تعلمنا دروسا أظن أن المواطن الياباني لن ينساها، تعلمنا أن القمع يؤدي إلى تدمير الثروة الوطنية وقتل الأبرياء ويؤدي إلى انحراف السلطة عن الطرق الصحيح والدخول في الممارسات الخاطئة باستمرار (...) المهم أننا وعينا خطأنا أولا ثم عملنا على تصحيح الخطأ وهذا كله يحتاج إلى سنوات طويلة وتضحيات كبيرة وكان علينا ان نعي قيمة النقد الذاتي قبل كل شيء ودون إنجاز النقد الذاتي بقوة لا نستطيع أن نجد الطريق لتصحيح الأخطاء..).
ويقول إنه كثيرا ما واجه مثل هذا السؤال في البلدان العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الأمريكية بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ ويقول: (علينا نحن اليابانيين أن نعي أخطاءنا في الحرب العالمية الثانية أولا ثم أن نصحح هذه الاخطاء لأننا استعمرنا شعوبا آسيوية كثيرة ثانيا، وأخيراً علينا أن نتخلص من الاسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها، إذن المشكلة ليست في أن نكره أمريكا أم لا، المشكلة في أن نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم نمارس نقدا ذاتيا بلا مجاملة لأنفسنا بعدئذ نختار الطريق الذي يصحح الانحراف ويمنع تكراره في المستقبل.
ويقول ان الحرب العالمية الثانية قد انتهت وعمره خمس سنوات وانه شاهد الدمار الشامل وعانى من الحرمان والجوع وعرف أيضا نتائج مسيرة التصحيح..
بعدها وعندما بلغ الثلاثين من عمره وسافر للدول العربية ورأى وقرأ وتحدث إلى الناس قال: لقد عاينت بنفسي غياب العدالة الاجتماعية وتهميش المواطن وإذلاله وانتشار القمع بشكل لا يليق بالإنسان.. وغياب كل أنواع الحرية.. وعرف كيف يضحي المجتمع بالأفراد الموهوبين والمخلصين.. ورأى كيف يغلب على سلوك الناس عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوطن، ولذلك كانت ترافقني أسئلة بسيطة وصعبة: لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب أخطاءهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟ نحن نعرف أن تصحيح الأخطاء يحتاج إلى وقت قصير أو طويل، فلكل شيء وقت ولكن السؤال هو: كم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا أخطاءهم، ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم؟).
ثم يبدأ يسرد علاقته بالوطن العربي من عام 1961م حيث اعلنت جامعة طوكيو عن افتتاح قسم للدراسات العربية.. فبدأ يتعلم اللغة.. وقد قرأ لنجيب محفوظ وغساني كنفاني.
وفي عام 1974م حصل على منحة خاصة من الحكومة المصرية للدراسة كطالب مستمع في جامعة القاهرة.. فقرأ رواية (الأرض) لعبدالرحمن الشرقاوي وهي التي دفعته للذهاب إلى الريف المصري حيث أقام بمحافظة الشرقية وفي قرية (الصحافة) بالتحديد وهناك تعرف على حياة الفلاحين وعاداتهم ووجد ضالته بجمال حمدان من خلال (شخصية مصر) ثم اتسعت دائرته مع الأدباء والروائيين المصريين مثل يوسف إدريس وصنع الله إبراهيم ويحيى الطاهر عبدالله ويحيى حقي وغيرهم..
بدأ في ترجمة بعض الروايات للغة اليابانية مبتدئاً برواية (الأرض) حيث صدرت باليابانية عام 1979م ورواية (الحرام) عام 1984م و(أرخص ليالي) عام 1980م و(تلك الرائحة) عام 1993م و(العسكري الأسود) عام 1990م.
وبدأ يهتم بالبادية في سورية وحضرموت وهو إذا يبحث عن معنى مختلف عما هو موجود في اليابان ومصر فيقول: في البادية وجدت ثقافة أخرى لا نعرفها في اليابان ببساطة لأن بيئتنا ليس فيها بادية، هكذا بدأت تجربتي بالإقامة مع البدو كما فعلت مصر وأقمت مع الفلاحين ولقد استقبلني (بنو خالد) بكرم يليق بهم خلال تلك الإقامة، كنت أبحث عن روايات تتحدث عن البدو وهكذا عرفت إنتاج عبدالسلام العجيلي وعبدالرحمن منيف خاصة (مدن الملح) وأخيرا وجدت إبراهيم الكوني الكاتب الليبي الذي ينتمي إلى الطوارق..).
وقال إن الكتابة بالعربية للعرب مقلقة ومرهقة ولكن محبته للثقافة العربية التي اعطاها عمره كله وجهده وعمله. إذن فلابد أن يشاركه القارئ العربي.. وهذا برأيه أرفع تقدير وأكبر محبة. وقال إنه يريد أن يقول للقارئ العربي رأياً في بعض مسائله كما رآها من الخارج كأي أجنبي عاش في البلدان العربية وقرأ الأدب العربي واهتم بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية.
وقال: إنه وجد نفسه مضطرا لأن يضيف بلغة صريحة مباشرة أنه يرى أن الحرية هي باب الإنتاج وباب التواصل والحياة النبيلة ولذلك يرى أن القمع داء عضال مقيم في الوطن العربي والعالم وما لم نتخلص منه فستفقد حياتنا كبشر الكثير من معانيها.
يقول إن علاقته بيوسف إدريس وثيقة وإنه قد زار اليابان عدة مرات، وأنه يبحث عن سر نهضة اليابان التي أدهشت العالم، ويريد أن يعرف الأسباب، وبعد زيارته الثالثة سألته: هل وجدت الإجابة؟ قال: نعم، عرفت السبب، مرة كنت عائداً إلى الفندق في وسط طوكيو حوالي منتصف الليل، ورأيت عاملاً يعمل وحيداً فوقفت أراقبه لم يكن معه أحد، ولم يكن يراقبه أحد ومع ذلك كان يعمل بجد ومثابرة كما لو ان العمل ملكه هو نفسه، عندئذ عرفت سبب نهوض اليابان، وهو شعور ذلك العامل بالمسؤولية النابعة من داخله بلا رقابة ولا قسر عندما يتصرف شعب بكامله مثل ذلك العامل فإن ذلك الشعب جدير بأن يحقق ما حققتموه في اليابان.

العرب بعيون يابانية صريحة!يوسف عبدالرحمن الذكير

لعل أهم ما يميز المستعرب الياباني (نوبوأكي هوتوهارا) عن كل من سبقه من عشرات المستشرفين الأوروبيين، يكمن في ثلاث ميزات:أولاها: تركيزه على الثقافة العربية المعاصرة، بشقيها: الأدبي وخاصة الروائي منه، والاجتماعي بكل ما يحويه من عادات ومعتقدات وتقاليد، دون أن يهتم بالجانب التاريخي، مثلما فعل العشرات من الأوروبيين، الذين كانت لهم اليد الطولى، لا في الكشف عن أسرار حضارات إهرامات وادي النيل، وسقارات وجنائن بابل المعلقة، وفك طلاسم الكتابات المسمارية والهيروغلوفية بكل ما حوته من ثقافات وقوانين، وحساب مواقيت وفلك وأساطير جلجامش وأورنس وأوزاريس، أو محاولات لفهم أسرار آثار مدائن صالح، ومقابر دلمون البحرين، ومعابد سبأ ومعين.. بل والفضل في حفظ وتحقيق ونشر العشرات من نفائس المخطوطات العربية الإسلامية المكنوزة في مكتبات متاحف لندن وباريس وليدن وبرلين ومدريد وهو فضل لم ينكره، بل وأشاد به المنصفون من أمثال علامة الجزيرة العربية الراحل، الشيخ حمد الجاسر رحمه الله.ثانيتها: إنه لم ينطلق من أفكار جاهزة مسبقة، مثلما انطلق معظم المستشرقين الأوروبيين، فجاءت كتاباتهم، إما مريضة باحتقان قرون من الصراعات والأحقاد، أو سقيمة بانتفاخ غرور عصور الاستعمار الأخير، فاتسمت معظم مؤلفاتهم بالأزدراء والاستعلاء، مما حدا بالكثيرين للتصدي لها من مخلتف الشرائح والانتماءات الإسلامية والعربية، إذ لم تقتصر الردود على أبرز علماء الدين الراحلين من أمثال الماوردي وإقبال والأفغاني وعبدالعزيز ابن باز رحمهم الله أجمعين، أو الحاضرين من أمثال القرضاوي والغنوشي، بل ولم تنحصر في مؤلفات رؤساء مسلمين من أمثال محمد خاتمي في كتابه (الدين والدولة) وعلي عزت بيجوفيتش في كتابه ( الإسلام بين الشرق والغرب) بل وتصدى لهم حتى المفكرون العرب من غير المسلمين، والذين قد يكون من أشهرهم، المصري أنور عبدالملك، والفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه الذائع الصيت (الاستشراق)، الذي أثار حفيظة المتطرفين المتصهينين إلى درجة أن استصدروا قانوناً يمنع مناقشة أعماله في بعض جامعات الغرب!!.فالمستعرب الياباني (نوتوهارا) بعيداً عن كل تلك الأمراض والأورام، بل إنه رفض كل ما قد يؤثر على موضوعية تقييمه وأحكامه، سواءً من أقرانه اليابانيين، الذين نصحوه أن ما من شيء يستحق الاهتمام بالأدب العربي، سوى الشعر الجاهلي في الماضي، ومؤلفات نجيب محفوظ في الحاضر، أو التأثر بكتابات الغربيين المناهضة للعرب والمسلمين!.. فيقول كم كنت مصيباً في رفض كل تلك الآراء المضللة، التي ثبت خطأها وسطحيتها، وهو ما يقود إلى الميزة الثالثة، والتي قد تكون أهم الميزات!.***الميزة الثالثة: تكمن في أن (نوتوهارا) لم يعتمد في دراسته وتقييمه للثقافة العربية المعاصرة على كتابات وآراء الآخرين، بل ولم يكتف برحلة استكشافية عابرة، وإنما اختار المعايشة والمتابعة الشخصية، فليس من رأى كمن سمع، ولا من عايش عن قرب، كمن قرأ عن بُعد!.. فقد كرس (نوتوهارا) أربعين عاماً من حياته في دراسة الأدب العربي المعاصر، وأمضى ما يقرب من ثلاثة عقود لم ينقطع طوالها عن زيارات سنوية للعالم العربي، عايش خلالها مختلف الشرائع الاجتماعية العربية.فقد بدأ اهتمامه بالأدب والثقافة العربية منذ عام 1961م، حين أعلنت جامعة طوكيو عن افتتاح قسم للدراسات العربية، فكان من أوائل الملتحقين به، ليغدو بعد أربع سنوات دراسية، أحد أول المعيدين في ذلك القسم، وما أن أثبت جدارته وشغفه وتفانيه في دراسة الأدب العربي من خلال ترجمته لروايات عربية معاصرة مختارها إلى اللغة اليابانية، حتى أرتقى لمرتبة استاذ زائر في جامعة (طوكاي)، مما أهله للحصول على منحة دراسية بجامعة القاهرة لمدة سنتين عام 1974م، كانت بمثابة بداية مرحلة المعايشة، التي لم تنقطع ولم تتقصر على مصر، بل زار العديد من البلدان العربية، هادفاً التعرف على مختلف المجتمعات العربية.. لم يكتف بقضاء شهور طويلة في أرياف مصر، لتعلم اللهجة المصرية بين فلاحي محافظة الشرقية، بعدما صعب عليه فهم حوار رواية (الأرض) لعبدالرحمن الشرقاوي، والتي أعجب بها إلى درجة أن قضى 3 سنوات في ترجمتها!.. بل وقضى شهوراً طوال في بادية الشام متعرفاً على بدورها ولهجاتهم، بعدما أطلع على مؤلفات أدباء الصحراء من أمثال عبدالسلام العجيلي، وإبراهيم الكوني، وعبدالرحمن منيف.. ليزور المغرب عقب اطلاعه على مؤلفات كبار كتابها من أمثال محمد براده وعبدالكبير الخطيبي، وعبدالجبار السحيمي، ليتجول بصحبة مبدع رواية (الخبز الحافي) محمد شكري، بين أحياء مراكش وطنجة وتطوان، مثلما تجول بين مقاهي وأزقة اللاذقية، بعدما أعجب بروايات (الياطر) و(الشراع والعاصفة) للكاتب السوري حنامينه.. فمن مزاياه الفريدة، أنه لا يكتفي بمعايشة أجواء ما يعجب من روايات الأدب العربي المعاصر، من خلال الصفحات والسطور، وأنما يتحمل المشاق والصعاب، ليعيش أجواءها في بيئتها الطبيعية.. بل ونراه في سبيل التعرف على مختلف سمات المجتمعات العربية، يمضي بلا وجل في رحلة استكشافية وعرة، ما بين جبال ووديان اليمن، فلا عجب أن جاءت دراسته عميقة الغور، جريئة النقد والانتقاد، مفعمة بمشاعر المشاركة الإنسانية الصادقة، جديرة بالقراءة لا من أبناء جلدته فحسب، بل ومن العرب ذاتهم، لما تكتنزه من رؤى وآراء صريحة لا يشوبها تزلف أو نفاق، ومعلومات أدبية بليغة ثرية، قد لا يعرفها معظم أبناء لغة الضاد، عن روايات أبدعها أدباؤهم المعاصرون، لا بسبب قلة اهتمام، ولكن لحجب وأستار، أقامها العرب بأنفسهم لأنفسهم، لتحجب عنهم أزهى إبداعات أدبائهم المعاصرين، فها هي تترجم لغيرهم، بل وتدرس في جامعاتهم!!.***لم يقتصر (نوتوهارا) في دراسته المتعمقة، على مشاهير الكتّاب المصريين، من أمثال نجيب محفوظ المعجب بثلاثيته أو يحيى حقي والشرقاوي الذي ترجم له روايته، بل وحتى يوسف إدريس الذي صنف أدبه، عالمي المستوى، فترجم له من المؤلفات أكثر مما ترجم لأديب أخرى، لينقل لقرائه اليابانيين، صورة واقعية معاصرة للمجتمع المصري بكل تشعباته الحضرية منها، والريفية والساحلية.. بل وربّما كان له الفضل الأكبر في إزالة الغشاوة عن عيون الشعب الياباني، فيما يخص مأساة فلسطين وتشريد الملايين من الشعب الفلسطيني، من خلال ترجمته لأبرز أعمال الأديب الفلسطيني الشهيد (غسان كناني)، وعلى رأسها روايته التي هزت وجدانه (عائد إلى حيفا)، فكانت إلى جانب ما ترجمه مستعربون يابانيون آخرون من روايات فلسطينية أخرى لا تقل إبداعاً، كالمتشائل لأميل حبيبي، و (رسالة لصديقي اليهودي) لإبراهيم الصوص، بمثابة عواصف أزاحت عتمة غمائم الأعلام الغربي المتصهين، ليرى الشعب الياباني بكل وضوح أبعاد ماساة، لم تقتصر على اغتصاب وطن الشعب الفلسطيني، بل وحاولت اغتصاب ثقافته وتاريخه.. فأتاح لشعبه رؤية الحقيقة المفزعة، والتي لم تنفع معها كل محاولات السفارة الإسرائيلية في طوكيو في محاولتها لاجتذاب كتاب اليابان من خلال الدعوات المجانية لزيارة إسرائيل، التي فشلت فشلاً ذريعاً، حين عاد أحد من لبى دعوتها من الصحفيين، مدافعاً عن القضية الفلسطينية، بعدما تأكد من زيف ادعاءات إسرائيل.معاناة الشعب الفلسطيني لم تكن المعاناة الوحيدة التي عرف بها الشعب الياباني، بل وترجم له معاناة العديد من الكتّاب العرب وما لقيه بعضهم من سجن وتشريد وتغريب، فلقد قرر على طلابه في السنتين الثالثة والرابعة في الجامعة، كتاب (رسائل السجن) لكاتب لا يكاد يعرفه أحد من بني العرب!.. ذلك هو الكاتب المغربي (عبداللطيف اللعبي)، الذي أودع كتابه المذكور أدق وأصدق ما ينتاب سجين مقهور، من مشاعر إنسانية وأفكار، ولم ينقذه من سجنه، سوى حملة دولية، لينضم إلى قوافل الأدباء العرب المغتربين في باريس من أمثال معلوف وأبو دهمان والطاهر بن جلون!.إلا أن صور المعاناة المختلفة، وما نقله من أنماط للمجتمع المصري للشعب الياباني من خلال ما ترجم لهم من مؤلفات، لم تكن هي كل ما أحرزه من إنجازات، فقد نقل طلابه إلى أجواء الصحراء الساحرة، لا من خلال إعجابه بالشخصية الرئيسية للجزء الأول من خماسية عبدالرحمن منيف الشهيرة (مدن الملح) المتمثلة في (متعب الهذال)، بل ومن خلال تدريسه طلابه، مؤلفات من اعتبره كاتب الصحراء الأول، الليبي (إبراهيم الكوني) الذي تجاوز ما ألف عن قبائل الطوارق البدوية 35 كتاباً، يزخر بالصفحات الرائعة عن عالم الصحراء، بل كا فيها من كثبان ورمال، ونخل وأثل ونوق وجمال، وكمأ وضبان وغزلان، وأساطير عن الأنس والجن والسعلاة!.ولكن اهتمام (نوتوهارا) بالثقافة العربية لم ينحصر ضمن الشق الأدبي منها، بل واهتم أيضاً بالشق الاجتماعي بكل تنوعاته الريفية والحضرية والصحراوية، ومن كل جوانبه التراثية منها، سواء ما يتعلق بالمعتقدات والتقاليد، أو الحالية فيما يتعلق بالممارسة والعادات وأزدواجية المعايير السلوكية، بل وقارنها بما يقابلها في المجتمع الياباني، بصور ما أشبه ما تكون ببحث ينتمي إلى علم الاجتماع المقارن!.***يتركز اهتمام (نوتوهارا) في دراسته للشق الاجتماعي من الثقافة العربية حول محورين، أولهما هو ما يفصل المجتمع الياباني عن المجتمع العربي من هوة واسعة!.. وثانيهما هو تشخيص ما يعتري المجتمع العربي من أمراض مزمنة، وما يمتاز به من تقاليد عريقة وشيم.. مما يجعله خير مرجع للمهتمين بالحوار ما بين الثقافات، لا فيما يتعلق بالتفاهم والتسامح ما بين الشعوب رغم ما يفصلها من فجوات ثقافية فحسب، وإنما لتبيان كيف ينظر الآخرون إلى مجتمعنا العربي بكل ما فيه من مساوئ ومحاسن.يبدأ (نوتوهارا) رسم ملامح الهوة السحيقة بالإشارة لما يفصل المجتمع الياباني عن نظيره العربي على صعيد المعتقدات، ففيما ديانة (الشنتو) الوضعية، لا تشير إلى الإيمان بإله واحد فرد صمد، ولا تعتقد أن كل من في الكون وما على الأرض إنما خلقه الله لخدمة الإنسان، بل ما هو سوى كائن ضمن وحدة الوجود، فلا حساب ولا عقاب ولا خلود في نعيم أو جحيم، فإن الإسلام كدين سماوي موحى من ربِّ العباد، وكخاتم ومتمم لأديان سماوية سبقته بآلاف السنين متجذر في النفوس المؤمنة بإله واحد.. ويشكل المحور الأساس في ثقافة وسلوك المجتمع العربي المسلم، إيمان أدهشه وهو يرى بدوياً يؤدي الصلوات الخمس بخشية وخشوع، رغم انقطاع المطر بسنوات، وما حاق به جراء انقطاعه من جدب وفاقة! وخشية من غضب الله، لجأ إليها هو ذاته، كلما خشي من غش بعض ضعاف النفوس، فما أن يذكِّر من يحاولغشه بغضب الله عليه، حتى يتراجع خوفاً من عقابه، إيمان عميق متين، كان مثار دهشته وإعجابه!.أما على الصعيد السياسي، فإن تلك الفجوة لا تتمثل في غياب حريات الرأي، والتعبير، والانتخاب عن معظم المجتمعات العربية، وحتى المنتمية منها لأنظمة جمهورية، مقارنة بحضورها وترسخها في المجتمع الياباني، بل هو يعجب من طول عمر الحكومات حتى في الأنظمة الجمهورية، مقارنة بأعمارها في اليابان، التي لا تتجاوز السنتين في معدلها!.. بل ويحمل تلك الظاهرة ما تعاني منه المجتمعات العربية من مشاعر الإحباط والانفصام، واستشراء التزلف والنفاق، وما نجم عنه من ازدواجية في السلوك والضوابط الأخلاقية وخاصة في المجتمعات الحضرية والريفية!.. ازدواجية يرى أن نجيب محفوظ عبر عنها بصدق من خلال شخصية أحمد عبدالجواد في ثلاثيته، فهو قد لمسها وعايشها على المستوى الفردي، حين رأى الاختلاف الشاسع في سلوكية أستاذ جامعي عربي انتدب للعمل في اليابان وما شاب نهج حياته من مجون، وانفلات أخلاقي، وما بين سلوكه حينما زاره في منزله في وطنه، في انضباطه ووقاره! وما رأه من قيام أحد الشعراء في مهرجانات مختلفة بتوبيخ وإلقاء قصائد المديح والثناء لمختلف الرؤساء على اختلافات أنظمتهم واتجاهاتهم السياسية!! وما شاهده من نفاق إبان معايشته للفلاحين في الأرياف فيما يظهرونه للسلطة والشرطة من احترام وإقامة للولائم، فيما هم يكرهونهم في الخفاء!.. بل هو يعزو ما يشاهده من تحطيم للممتلكات العامة سواء من قلع لمقاعد الحدائق، وخلع لسلال المهملات والقمائم، وتكسير لمصابيح الشوارع، كنوع من التنفيس، مما تعانيه المجتمعات العربية التي عايشها، من أمراض المنع والكبت والقمع المزمنة، بل هو يرثي لحال بعض الشعوب في الشوارع وهم يتلفتون في خوف، وكأنما هم ملاحقون!.. ولكنه على الجانب الآخر، يعجب أشد الإعجاب بما تمتع الشعوب العربية عامة من كرام الضيافة، مقارنة بالمجتمع الياباني المنطوي على نفسه، وعزوفه عن استضافة الأجانب، فالكرم المتأصل والذي يصفه بالنبل والشهامة، لا يقتصر على مجتمعات المدن بكل شرائحها الغنية منها، والفقيرة بل ويتجلى بأبهى صوره في المجتمعات الصحراوية، التي تتميز مثلما عاش وجرب بانفرادها من بين كل المجتمعات في أنها الوحيدة التي لا يختار فيها المضيف ضيوفه، فالبدوي في باديته يستضيف ويرحب بكل طارق وزائر.ويصل إعجابه أقصاه، فيما يتمتع به البدوي من خفر وحياء، من خلال من شاهده، حينما قدم البدوي فنجان القهوة لزوجته التي رافقته في إحدى زياراته للبلدية، فلاحظ أنه يقدم الفنجان وهو يدير رأسه وناظريه عنها، فما كان منه إلا أن تذكر بيتاً لعنترة بن شداد العبسي يقول:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها

3 سبتمبر 2008

مؤسس البابطين للابداع الشعري تستعد لاقامة دورتها ال 11 في الكويت




طولكرم- عدنان حطاب- تستعد مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، لإقامة دورتها الحادية عشرة في الكويت أواخر أكتوبر المقبل، والتي أطلق عليها اسم دورة المعجم نسبة إلى معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، والذي يضم في مجلداته تراجم ومختارات لنحو ثمانية آلاف شاعر وتعمل المؤسسة على إصداره خلال الدورة.
وقال الأمين العام لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين عبدالعزيز السريع «بدأت المؤسسة استعداداتها لإقامة الدورة الحادية عشرة، والتي ستعقد هذه المرة على أرض الكويت، وسيُدعى إليها مئات المفكرين والأكاديميين والمثقفين من شتى أنحاء العالم ومن مختلف الديانات والاتجاهات الفكرية، وستتضمن ندوتين، واحدة أدبية حول المعجم والشعر في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأخرى بعنوان (عالم اليوم: ثقافات ومصالح)، وسيحاضر في الندوتين عدد من الباحثين المتخصصين من العرب والأجانب».
وأشار الأمين العام إلى أن الندوة الثانية هذه تأتي في إطار منهج حوار الحضارات الذي سلكته المؤسسة منذ عام 2004 في أثناء دورتها التي أقامتها في إسبانيا: «دورة ابن زيدون». وأوضح السريع أن المؤسسة ستُصدر بالتزامن مع الدورة مجموعة من الكتب التي سيُعلن عن عناوينها في الفترة القريبة المقبلة، كما سيُقام عدد من الأمسيات الشعرية. وقال «سيتم أيضا في هذه الدورة، توزيع الجوائز على الفائزين بمسابقتها الشعرية»، موضحا أن هذه المسابقة تُقام كل سنتين. ودعا السريع المثقفين والمهتمين في الكويت إلى حضور الدورة الحادية عشرة لإثرائها أدبيا وفكريا، حيث ستشهد احتفالية الدورة المقبلة حشدا كبيرا من الأكاديميين والأدباء والمفكرين من مختلف دول العالم، والذين سيحلون ضيوفا على الكويت ليتحاوروا في جو من الديمقراطية وحرية التعبير. وقد وجه رئيس المؤسسة الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين الدعوات إلى عدد من الشخصيات المهمة وكبار المسؤولين في مختلف الدول، لحضور حفل افتتاح الدورة والأنشطة المصاحبة لها.