17 سبتمبر 2008

العرب من وجهة نظر يابانية !

هذا الموضوع منقول ... يتم إعادة نشره للأهمية

وقفات مع كتاب (العرب.. وجهة نظر يابانية)
لأستاذ الأدب العربي المعاصر بجامعة طوكيو (نوبو أكي نوتوهارا)
منشورات دار الجمل ألمانيا ط1، 2003م
محمد عبد الرزاق القشعمي

بعد أن امضى أكثر من أربعين عاما في سفر دائم بين العواصم العربية والأرياف والبوادي، إذ بدأها طالبا في قسم الدراسات العربية بجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية ثم مدرسا للأدب العربي المعاصر في الجامعة نفسها.
تنقل بين العواصم والأرياف من القاهرة والصعيد إلى دمشق وباديتها إلى اقصى المغرب العربي إلى اقصى مشرقه حيث اليمن وحضرموت..
كوّن صداقات وعلاقات واسعة أحبهم وأحبوه فقال: (أربعون عاما تدفعني دفعاً لأقول بعض الأفكار والانطباعات عن الشخصية العربية المعاصرة، تجربتي تقودني إلى هذا الكتاب وعلاقتي الحميمة مع الشخصية العربية تشجعني، واعترف ايضا ان بعض أصدقائي العرب ألحوا عليّ أن أكتب بالعربية شيئا مما أعرفه على تواضعه وها أنا ذا افتح عيني على مداهما لأرى لا بعين المراقب المقارن، ولكن المراقب المحب الحريص، المراقب الذي أعطى الشخصية العربية حتى الآن أربعين عاماً من عمره).
أول ما يصدم السائح أو أول ما ينطبع في ذهن الزائر لبلد ما هو سائق الأجرة وتعامله.. فها هو يصف زيارته الثانية للقاهرة قبل ثلاثين عاماً (1974م) فيقول:(.. حتى في التاكسي يواجه الراكب اضطهاداً فالسائق يختار الراكب حسب المكان الذي يريد الذهاب إليه، ويرفض أن يقل الشخص الذي لا يعجبه شكله أو المسافة التي سيقطعها ، شيء لا يصدق عندنا في اليابان.
باختصار التوتر يغطي الشارع، توتر شديد تتوقع ان ينقطع في أي لحظة، هذا التوتر يجعل الناس يتبادلون نظرات عدوانية ويزيد توتر المدينة نفسها أكثر فأكثر.
وفي نقطة أخرى.. عندما يرى الزحمة والطوابير الطويلة أمام مبنى قسم الهجرة والجوازات.. والموظفون الحكوميون لا يبالون بالناس..
كان الموظف الحكومي ينهي الأمر بكلمة واحدة في نهاية الدوام: بكرة، وهذا يعني ان على ما بقي من الطابور أن يستأنف الوقوف نفسه في صباح اليوم التالي، ويقول: (هناك استثناء لمن يعرف أحد الموظفين عندئذ يتم انجاز المعاملة بسرعة كبيرة).
ويقول إنه كثيراً ما يسمع في الراديو والتلفزيون ويقرأ في الجرائد كلمات مثل: الديمقراطية، حقوق الإنسان، حرية المواطن، سيادة الشعب، وكان يشعر وهو يتابع سماع تلك العبارات أن الحكومة لا تعامل الناس بجدية بل تسخر منهم وتضحك عليهم.. ويتساءل: هل يستطيع المرء أن يتجاهل الصلة القائمة بين هذا الاسلوب الذي يستغبي الشعب والتوتر الذي يسيطر على جموع الناس العاديين؟
ويقول إنه زار الكثير من العواصم العربية فهل تختلف تلك العواصم العربية عن القاهرة.. هو لا يستطيع أن يعقد مقارنة أو لا يريد.. فهذا ليس في استطاعته ولكنه يقول: إن الناس في شوارع المدن العربية ليسوا سعداء وليسوا مرتاحين،.. سمع صرخة مازالت مدوية في أذنه في هذا الجو الخانق.. فها هو يتلمس جذور تلك الصرخة وأسبابها.. ويقدم بعض النقاط التي تسم الشخصية العربية المعاصرة.. من خلال ما لاحظه عند إقامته في البلدان العربية بصورة عامة.. فهو يؤكد انه اعطى القضية العربية عمره كله فمن حقه أن يقول شيئا مباشراً...
أول ما يلاحظه في المجتمع العربي هو غياب العدالة الاجتماعية.. ( وهذا يعني غياب المبدأ الأساسي الذي يعتمد عليه الناس، مما يؤدي إلى الفوضى، ففي غياب العدالة الاجتماعية وسيادة القوانين على الجميع بالتساوي يستطيع الناس أن يفعلوا كل شيء..
تحت ظروف غياب العدالة الاجتماعية تتعرض حقوق الإنسان للخطر، ولذلك يصبح الفرد هشا ومؤقتا وساكنا بلا فعالية لأنه يعامل دائماً بلا تقدير لقيمته كإنسان..).
ويستغرب لماذا يكثرون من استعمال كلمة الديمقراطية وهم لا يستعملونها بل يفعلون عكسها تماما، فلهذا نجده يقول: (عندما تغيب الديمقراطية ينتشر القمع، والقمع واقع لا يحتاج إلى برهان في البلدان العربية..
فعل سبيل المثال الحاكم العربي يحكم مدى الحياة في الدولة.. ولذلك لا ينتظر الناس أي شيء لصالحهم.. وكمثال آخر فإن معظم الصحف العربية تمنع من بلد إلى بلد والرقابة على الكتب والمجلات.. هناك مئات الكتب العربية وغير العربية ممنوعة في معظم البلدان العربية وخاصة الكتب التي تعالج الحقائق اليومية الملموسة للناس).. ويذكر أنه عندما كان يعد كتاباً باليابانية عن مصر لم يجد كتاب جمال حمدان (شخصية مصر) لأنه كان ممنوعا من مصر رغم أنه يعتز بمصريته، ويذكر أيضا من الكتب الممنوعة (الخبز الحافي) لمحمد شكري و (الثالوث المحرم) لأبي علي ياسين.. ويعلق قائلاً: (كل هذا يعني غياب حرية الرأي وحرية الكلام، عندنا في اليابان نقول عندما لا نستطيع أن نتكلم بحرية: عندما افتح فمي فإن هواء الخريف ينقل البرد إلى شفتي، والعربي عندما لا يستطيع ان يصرح بما في نفسه عليه أن يقول تحت لساني جمرة).
ويقول في مقدمة كتابه (.. أعتقد أن القمع هو داء عضال في المجتمع العربي ولذلك فإن أي كاتب أو باحث يتحدث عن المجتمع العربي دون وعي هذه الحقيقة البسيطة الواضحة فإنني لا أعتبر حديثه مفيدا وجديا، إذ لابد من الانطلاق بداية من الإقرار بأن القمع بكافة أشكاله مترسخ في المجتمعات العربية).. في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود القمع وتذوب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان يغيب أيضا الوعي بالمسؤولية، ولذلك لا يشعر المواطن العربي بمسؤولية عن الممتلكات العامة مثل الحدائق العامة والشوارع ومناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات باختصار المرافق العامة كلها، ولذلك يدمرها الناس اعتقادا منهم انهم يدمرون ممتلكات الحكومة لا ممتلكاتهم هم.. وهكذا يغيب الشعور بالمسؤولية تجاه أفراد المجتمع الآخرين).
ثم يقارن المجتمع الياباني بالمجتمع العربي بعد أن يعرض تجربة اليابان الصعبة والمريرة فيقول: (لقد سيطر العسكريون على الإمبراطورية والسلطة والشعب، وقادوا البلاد إلى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة وانتهى الأمر بتدمير اليابان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية، هذا حدث في تاريخنا القريب ودفع الشعب الياباني ثمنا باهظا ولكننا وعينا خطأنا وقررنا أن نصححه فأبعدنا العسكريين عن السلطة وبدأنا نبني ما دمره القمع العسكري لقد عانى اليابانيون كثيرا لكي يخرجوا من الخطأ واستغرق ذلك أكثر من عشرين سنة.
ومن المعاناة نفسها تعلمنا دروسا أظن أن المواطن الياباني لن ينساها، تعلمنا أن القمع يؤدي إلى تدمير الثروة الوطنية وقتل الأبرياء ويؤدي إلى انحراف السلطة عن الطرق الصحيح والدخول في الممارسات الخاطئة باستمرار (...) المهم أننا وعينا خطأنا أولا ثم عملنا على تصحيح الخطأ وهذا كله يحتاج إلى سنوات طويلة وتضحيات كبيرة وكان علينا ان نعي قيمة النقد الذاتي قبل كل شيء ودون إنجاز النقد الذاتي بقوة لا نستطيع أن نجد الطريق لتصحيح الأخطاء..).
ويقول إنه كثيرا ما واجه مثل هذا السؤال في البلدان العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الأمريكية بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ ويقول: (علينا نحن اليابانيين أن نعي أخطاءنا في الحرب العالمية الثانية أولا ثم أن نصحح هذه الاخطاء لأننا استعمرنا شعوبا آسيوية كثيرة ثانيا، وأخيراً علينا أن نتخلص من الاسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها، إذن المشكلة ليست في أن نكره أمريكا أم لا، المشكلة في أن نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم نمارس نقدا ذاتيا بلا مجاملة لأنفسنا بعدئذ نختار الطريق الذي يصحح الانحراف ويمنع تكراره في المستقبل.
ويقول ان الحرب العالمية الثانية قد انتهت وعمره خمس سنوات وانه شاهد الدمار الشامل وعانى من الحرمان والجوع وعرف أيضا نتائج مسيرة التصحيح..
بعدها وعندما بلغ الثلاثين من عمره وسافر للدول العربية ورأى وقرأ وتحدث إلى الناس قال: لقد عاينت بنفسي غياب العدالة الاجتماعية وتهميش المواطن وإذلاله وانتشار القمع بشكل لا يليق بالإنسان.. وغياب كل أنواع الحرية.. وعرف كيف يضحي المجتمع بالأفراد الموهوبين والمخلصين.. ورأى كيف يغلب على سلوك الناس عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوطن، ولذلك كانت ترافقني أسئلة بسيطة وصعبة: لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب أخطاءهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟ نحن نعرف أن تصحيح الأخطاء يحتاج إلى وقت قصير أو طويل، فلكل شيء وقت ولكن السؤال هو: كم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا أخطاءهم، ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم؟).
ثم يبدأ يسرد علاقته بالوطن العربي من عام 1961م حيث اعلنت جامعة طوكيو عن افتتاح قسم للدراسات العربية.. فبدأ يتعلم اللغة.. وقد قرأ لنجيب محفوظ وغساني كنفاني.
وفي عام 1974م حصل على منحة خاصة من الحكومة المصرية للدراسة كطالب مستمع في جامعة القاهرة.. فقرأ رواية (الأرض) لعبدالرحمن الشرقاوي وهي التي دفعته للذهاب إلى الريف المصري حيث أقام بمحافظة الشرقية وفي قرية (الصحافة) بالتحديد وهناك تعرف على حياة الفلاحين وعاداتهم ووجد ضالته بجمال حمدان من خلال (شخصية مصر) ثم اتسعت دائرته مع الأدباء والروائيين المصريين مثل يوسف إدريس وصنع الله إبراهيم ويحيى الطاهر عبدالله ويحيى حقي وغيرهم..
بدأ في ترجمة بعض الروايات للغة اليابانية مبتدئاً برواية (الأرض) حيث صدرت باليابانية عام 1979م ورواية (الحرام) عام 1984م و(أرخص ليالي) عام 1980م و(تلك الرائحة) عام 1993م و(العسكري الأسود) عام 1990م.
وبدأ يهتم بالبادية في سورية وحضرموت وهو إذا يبحث عن معنى مختلف عما هو موجود في اليابان ومصر فيقول: في البادية وجدت ثقافة أخرى لا نعرفها في اليابان ببساطة لأن بيئتنا ليس فيها بادية، هكذا بدأت تجربتي بالإقامة مع البدو كما فعلت مصر وأقمت مع الفلاحين ولقد استقبلني (بنو خالد) بكرم يليق بهم خلال تلك الإقامة، كنت أبحث عن روايات تتحدث عن البدو وهكذا عرفت إنتاج عبدالسلام العجيلي وعبدالرحمن منيف خاصة (مدن الملح) وأخيرا وجدت إبراهيم الكوني الكاتب الليبي الذي ينتمي إلى الطوارق..).
وقال إن الكتابة بالعربية للعرب مقلقة ومرهقة ولكن محبته للثقافة العربية التي اعطاها عمره كله وجهده وعمله. إذن فلابد أن يشاركه القارئ العربي.. وهذا برأيه أرفع تقدير وأكبر محبة. وقال إنه يريد أن يقول للقارئ العربي رأياً في بعض مسائله كما رآها من الخارج كأي أجنبي عاش في البلدان العربية وقرأ الأدب العربي واهتم بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية.
وقال: إنه وجد نفسه مضطرا لأن يضيف بلغة صريحة مباشرة أنه يرى أن الحرية هي باب الإنتاج وباب التواصل والحياة النبيلة ولذلك يرى أن القمع داء عضال مقيم في الوطن العربي والعالم وما لم نتخلص منه فستفقد حياتنا كبشر الكثير من معانيها.
يقول إن علاقته بيوسف إدريس وثيقة وإنه قد زار اليابان عدة مرات، وأنه يبحث عن سر نهضة اليابان التي أدهشت العالم، ويريد أن يعرف الأسباب، وبعد زيارته الثالثة سألته: هل وجدت الإجابة؟ قال: نعم، عرفت السبب، مرة كنت عائداً إلى الفندق في وسط طوكيو حوالي منتصف الليل، ورأيت عاملاً يعمل وحيداً فوقفت أراقبه لم يكن معه أحد، ولم يكن يراقبه أحد ومع ذلك كان يعمل بجد ومثابرة كما لو ان العمل ملكه هو نفسه، عندئذ عرفت سبب نهوض اليابان، وهو شعور ذلك العامل بالمسؤولية النابعة من داخله بلا رقابة ولا قسر عندما يتصرف شعب بكامله مثل ذلك العامل فإن ذلك الشعب جدير بأن يحقق ما حققتموه في اليابان.

العرب بعيون يابانية صريحة!يوسف عبدالرحمن الذكير

لعل أهم ما يميز المستعرب الياباني (نوبوأكي هوتوهارا) عن كل من سبقه من عشرات المستشرفين الأوروبيين، يكمن في ثلاث ميزات:أولاها: تركيزه على الثقافة العربية المعاصرة، بشقيها: الأدبي وخاصة الروائي منه، والاجتماعي بكل ما يحويه من عادات ومعتقدات وتقاليد، دون أن يهتم بالجانب التاريخي، مثلما فعل العشرات من الأوروبيين، الذين كانت لهم اليد الطولى، لا في الكشف عن أسرار حضارات إهرامات وادي النيل، وسقارات وجنائن بابل المعلقة، وفك طلاسم الكتابات المسمارية والهيروغلوفية بكل ما حوته من ثقافات وقوانين، وحساب مواقيت وفلك وأساطير جلجامش وأورنس وأوزاريس، أو محاولات لفهم أسرار آثار مدائن صالح، ومقابر دلمون البحرين، ومعابد سبأ ومعين.. بل والفضل في حفظ وتحقيق ونشر العشرات من نفائس المخطوطات العربية الإسلامية المكنوزة في مكتبات متاحف لندن وباريس وليدن وبرلين ومدريد وهو فضل لم ينكره، بل وأشاد به المنصفون من أمثال علامة الجزيرة العربية الراحل، الشيخ حمد الجاسر رحمه الله.ثانيتها: إنه لم ينطلق من أفكار جاهزة مسبقة، مثلما انطلق معظم المستشرقين الأوروبيين، فجاءت كتاباتهم، إما مريضة باحتقان قرون من الصراعات والأحقاد، أو سقيمة بانتفاخ غرور عصور الاستعمار الأخير، فاتسمت معظم مؤلفاتهم بالأزدراء والاستعلاء، مما حدا بالكثيرين للتصدي لها من مخلتف الشرائح والانتماءات الإسلامية والعربية، إذ لم تقتصر الردود على أبرز علماء الدين الراحلين من أمثال الماوردي وإقبال والأفغاني وعبدالعزيز ابن باز رحمهم الله أجمعين، أو الحاضرين من أمثال القرضاوي والغنوشي، بل ولم تنحصر في مؤلفات رؤساء مسلمين من أمثال محمد خاتمي في كتابه (الدين والدولة) وعلي عزت بيجوفيتش في كتابه ( الإسلام بين الشرق والغرب) بل وتصدى لهم حتى المفكرون العرب من غير المسلمين، والذين قد يكون من أشهرهم، المصري أنور عبدالملك، والفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه الذائع الصيت (الاستشراق)، الذي أثار حفيظة المتطرفين المتصهينين إلى درجة أن استصدروا قانوناً يمنع مناقشة أعماله في بعض جامعات الغرب!!.فالمستعرب الياباني (نوتوهارا) بعيداً عن كل تلك الأمراض والأورام، بل إنه رفض كل ما قد يؤثر على موضوعية تقييمه وأحكامه، سواءً من أقرانه اليابانيين، الذين نصحوه أن ما من شيء يستحق الاهتمام بالأدب العربي، سوى الشعر الجاهلي في الماضي، ومؤلفات نجيب محفوظ في الحاضر، أو التأثر بكتابات الغربيين المناهضة للعرب والمسلمين!.. فيقول كم كنت مصيباً في رفض كل تلك الآراء المضللة، التي ثبت خطأها وسطحيتها، وهو ما يقود إلى الميزة الثالثة، والتي قد تكون أهم الميزات!.***الميزة الثالثة: تكمن في أن (نوتوهارا) لم يعتمد في دراسته وتقييمه للثقافة العربية المعاصرة على كتابات وآراء الآخرين، بل ولم يكتف برحلة استكشافية عابرة، وإنما اختار المعايشة والمتابعة الشخصية، فليس من رأى كمن سمع، ولا من عايش عن قرب، كمن قرأ عن بُعد!.. فقد كرس (نوتوهارا) أربعين عاماً من حياته في دراسة الأدب العربي المعاصر، وأمضى ما يقرب من ثلاثة عقود لم ينقطع طوالها عن زيارات سنوية للعالم العربي، عايش خلالها مختلف الشرائع الاجتماعية العربية.فقد بدأ اهتمامه بالأدب والثقافة العربية منذ عام 1961م، حين أعلنت جامعة طوكيو عن افتتاح قسم للدراسات العربية، فكان من أوائل الملتحقين به، ليغدو بعد أربع سنوات دراسية، أحد أول المعيدين في ذلك القسم، وما أن أثبت جدارته وشغفه وتفانيه في دراسة الأدب العربي من خلال ترجمته لروايات عربية معاصرة مختارها إلى اللغة اليابانية، حتى أرتقى لمرتبة استاذ زائر في جامعة (طوكاي)، مما أهله للحصول على منحة دراسية بجامعة القاهرة لمدة سنتين عام 1974م، كانت بمثابة بداية مرحلة المعايشة، التي لم تنقطع ولم تتقصر على مصر، بل زار العديد من البلدان العربية، هادفاً التعرف على مختلف المجتمعات العربية.. لم يكتف بقضاء شهور طويلة في أرياف مصر، لتعلم اللهجة المصرية بين فلاحي محافظة الشرقية، بعدما صعب عليه فهم حوار رواية (الأرض) لعبدالرحمن الشرقاوي، والتي أعجب بها إلى درجة أن قضى 3 سنوات في ترجمتها!.. بل وقضى شهوراً طوال في بادية الشام متعرفاً على بدورها ولهجاتهم، بعدما أطلع على مؤلفات أدباء الصحراء من أمثال عبدالسلام العجيلي، وإبراهيم الكوني، وعبدالرحمن منيف.. ليزور المغرب عقب اطلاعه على مؤلفات كبار كتابها من أمثال محمد براده وعبدالكبير الخطيبي، وعبدالجبار السحيمي، ليتجول بصحبة مبدع رواية (الخبز الحافي) محمد شكري، بين أحياء مراكش وطنجة وتطوان، مثلما تجول بين مقاهي وأزقة اللاذقية، بعدما أعجب بروايات (الياطر) و(الشراع والعاصفة) للكاتب السوري حنامينه.. فمن مزاياه الفريدة، أنه لا يكتفي بمعايشة أجواء ما يعجب من روايات الأدب العربي المعاصر، من خلال الصفحات والسطور، وأنما يتحمل المشاق والصعاب، ليعيش أجواءها في بيئتها الطبيعية.. بل ونراه في سبيل التعرف على مختلف سمات المجتمعات العربية، يمضي بلا وجل في رحلة استكشافية وعرة، ما بين جبال ووديان اليمن، فلا عجب أن جاءت دراسته عميقة الغور، جريئة النقد والانتقاد، مفعمة بمشاعر المشاركة الإنسانية الصادقة، جديرة بالقراءة لا من أبناء جلدته فحسب، بل ومن العرب ذاتهم، لما تكتنزه من رؤى وآراء صريحة لا يشوبها تزلف أو نفاق، ومعلومات أدبية بليغة ثرية، قد لا يعرفها معظم أبناء لغة الضاد، عن روايات أبدعها أدباؤهم المعاصرون، لا بسبب قلة اهتمام، ولكن لحجب وأستار، أقامها العرب بأنفسهم لأنفسهم، لتحجب عنهم أزهى إبداعات أدبائهم المعاصرين، فها هي تترجم لغيرهم، بل وتدرس في جامعاتهم!!.***لم يقتصر (نوتوهارا) في دراسته المتعمقة، على مشاهير الكتّاب المصريين، من أمثال نجيب محفوظ المعجب بثلاثيته أو يحيى حقي والشرقاوي الذي ترجم له روايته، بل وحتى يوسف إدريس الذي صنف أدبه، عالمي المستوى، فترجم له من المؤلفات أكثر مما ترجم لأديب أخرى، لينقل لقرائه اليابانيين، صورة واقعية معاصرة للمجتمع المصري بكل تشعباته الحضرية منها، والريفية والساحلية.. بل وربّما كان له الفضل الأكبر في إزالة الغشاوة عن عيون الشعب الياباني، فيما يخص مأساة فلسطين وتشريد الملايين من الشعب الفلسطيني، من خلال ترجمته لأبرز أعمال الأديب الفلسطيني الشهيد (غسان كناني)، وعلى رأسها روايته التي هزت وجدانه (عائد إلى حيفا)، فكانت إلى جانب ما ترجمه مستعربون يابانيون آخرون من روايات فلسطينية أخرى لا تقل إبداعاً، كالمتشائل لأميل حبيبي، و (رسالة لصديقي اليهودي) لإبراهيم الصوص، بمثابة عواصف أزاحت عتمة غمائم الأعلام الغربي المتصهين، ليرى الشعب الياباني بكل وضوح أبعاد ماساة، لم تقتصر على اغتصاب وطن الشعب الفلسطيني، بل وحاولت اغتصاب ثقافته وتاريخه.. فأتاح لشعبه رؤية الحقيقة المفزعة، والتي لم تنفع معها كل محاولات السفارة الإسرائيلية في طوكيو في محاولتها لاجتذاب كتاب اليابان من خلال الدعوات المجانية لزيارة إسرائيل، التي فشلت فشلاً ذريعاً، حين عاد أحد من لبى دعوتها من الصحفيين، مدافعاً عن القضية الفلسطينية، بعدما تأكد من زيف ادعاءات إسرائيل.معاناة الشعب الفلسطيني لم تكن المعاناة الوحيدة التي عرف بها الشعب الياباني، بل وترجم له معاناة العديد من الكتّاب العرب وما لقيه بعضهم من سجن وتشريد وتغريب، فلقد قرر على طلابه في السنتين الثالثة والرابعة في الجامعة، كتاب (رسائل السجن) لكاتب لا يكاد يعرفه أحد من بني العرب!.. ذلك هو الكاتب المغربي (عبداللطيف اللعبي)، الذي أودع كتابه المذكور أدق وأصدق ما ينتاب سجين مقهور، من مشاعر إنسانية وأفكار، ولم ينقذه من سجنه، سوى حملة دولية، لينضم إلى قوافل الأدباء العرب المغتربين في باريس من أمثال معلوف وأبو دهمان والطاهر بن جلون!.إلا أن صور المعاناة المختلفة، وما نقله من أنماط للمجتمع المصري للشعب الياباني من خلال ما ترجم لهم من مؤلفات، لم تكن هي كل ما أحرزه من إنجازات، فقد نقل طلابه إلى أجواء الصحراء الساحرة، لا من خلال إعجابه بالشخصية الرئيسية للجزء الأول من خماسية عبدالرحمن منيف الشهيرة (مدن الملح) المتمثلة في (متعب الهذال)، بل ومن خلال تدريسه طلابه، مؤلفات من اعتبره كاتب الصحراء الأول، الليبي (إبراهيم الكوني) الذي تجاوز ما ألف عن قبائل الطوارق البدوية 35 كتاباً، يزخر بالصفحات الرائعة عن عالم الصحراء، بل كا فيها من كثبان ورمال، ونخل وأثل ونوق وجمال، وكمأ وضبان وغزلان، وأساطير عن الأنس والجن والسعلاة!.ولكن اهتمام (نوتوهارا) بالثقافة العربية لم ينحصر ضمن الشق الأدبي منها، بل واهتم أيضاً بالشق الاجتماعي بكل تنوعاته الريفية والحضرية والصحراوية، ومن كل جوانبه التراثية منها، سواء ما يتعلق بالمعتقدات والتقاليد، أو الحالية فيما يتعلق بالممارسة والعادات وأزدواجية المعايير السلوكية، بل وقارنها بما يقابلها في المجتمع الياباني، بصور ما أشبه ما تكون ببحث ينتمي إلى علم الاجتماع المقارن!.***يتركز اهتمام (نوتوهارا) في دراسته للشق الاجتماعي من الثقافة العربية حول محورين، أولهما هو ما يفصل المجتمع الياباني عن المجتمع العربي من هوة واسعة!.. وثانيهما هو تشخيص ما يعتري المجتمع العربي من أمراض مزمنة، وما يمتاز به من تقاليد عريقة وشيم.. مما يجعله خير مرجع للمهتمين بالحوار ما بين الثقافات، لا فيما يتعلق بالتفاهم والتسامح ما بين الشعوب رغم ما يفصلها من فجوات ثقافية فحسب، وإنما لتبيان كيف ينظر الآخرون إلى مجتمعنا العربي بكل ما فيه من مساوئ ومحاسن.يبدأ (نوتوهارا) رسم ملامح الهوة السحيقة بالإشارة لما يفصل المجتمع الياباني عن نظيره العربي على صعيد المعتقدات، ففيما ديانة (الشنتو) الوضعية، لا تشير إلى الإيمان بإله واحد فرد صمد، ولا تعتقد أن كل من في الكون وما على الأرض إنما خلقه الله لخدمة الإنسان، بل ما هو سوى كائن ضمن وحدة الوجود، فلا حساب ولا عقاب ولا خلود في نعيم أو جحيم، فإن الإسلام كدين سماوي موحى من ربِّ العباد، وكخاتم ومتمم لأديان سماوية سبقته بآلاف السنين متجذر في النفوس المؤمنة بإله واحد.. ويشكل المحور الأساس في ثقافة وسلوك المجتمع العربي المسلم، إيمان أدهشه وهو يرى بدوياً يؤدي الصلوات الخمس بخشية وخشوع، رغم انقطاع المطر بسنوات، وما حاق به جراء انقطاعه من جدب وفاقة! وخشية من غضب الله، لجأ إليها هو ذاته، كلما خشي من غش بعض ضعاف النفوس، فما أن يذكِّر من يحاولغشه بغضب الله عليه، حتى يتراجع خوفاً من عقابه، إيمان عميق متين، كان مثار دهشته وإعجابه!.أما على الصعيد السياسي، فإن تلك الفجوة لا تتمثل في غياب حريات الرأي، والتعبير، والانتخاب عن معظم المجتمعات العربية، وحتى المنتمية منها لأنظمة جمهورية، مقارنة بحضورها وترسخها في المجتمع الياباني، بل هو يعجب من طول عمر الحكومات حتى في الأنظمة الجمهورية، مقارنة بأعمارها في اليابان، التي لا تتجاوز السنتين في معدلها!.. بل ويحمل تلك الظاهرة ما تعاني منه المجتمعات العربية من مشاعر الإحباط والانفصام، واستشراء التزلف والنفاق، وما نجم عنه من ازدواجية في السلوك والضوابط الأخلاقية وخاصة في المجتمعات الحضرية والريفية!.. ازدواجية يرى أن نجيب محفوظ عبر عنها بصدق من خلال شخصية أحمد عبدالجواد في ثلاثيته، فهو قد لمسها وعايشها على المستوى الفردي، حين رأى الاختلاف الشاسع في سلوكية أستاذ جامعي عربي انتدب للعمل في اليابان وما شاب نهج حياته من مجون، وانفلات أخلاقي، وما بين سلوكه حينما زاره في منزله في وطنه، في انضباطه ووقاره! وما رأه من قيام أحد الشعراء في مهرجانات مختلفة بتوبيخ وإلقاء قصائد المديح والثناء لمختلف الرؤساء على اختلافات أنظمتهم واتجاهاتهم السياسية!! وما شاهده من نفاق إبان معايشته للفلاحين في الأرياف فيما يظهرونه للسلطة والشرطة من احترام وإقامة للولائم، فيما هم يكرهونهم في الخفاء!.. بل هو يعزو ما يشاهده من تحطيم للممتلكات العامة سواء من قلع لمقاعد الحدائق، وخلع لسلال المهملات والقمائم، وتكسير لمصابيح الشوارع، كنوع من التنفيس، مما تعانيه المجتمعات العربية التي عايشها، من أمراض المنع والكبت والقمع المزمنة، بل هو يرثي لحال بعض الشعوب في الشوارع وهم يتلفتون في خوف، وكأنما هم ملاحقون!.. ولكنه على الجانب الآخر، يعجب أشد الإعجاب بما تمتع الشعوب العربية عامة من كرام الضيافة، مقارنة بالمجتمع الياباني المنطوي على نفسه، وعزوفه عن استضافة الأجانب، فالكرم المتأصل والذي يصفه بالنبل والشهامة، لا يقتصر على مجتمعات المدن بكل شرائحها الغنية منها، والفقيرة بل ويتجلى بأبهى صوره في المجتمعات الصحراوية، التي تتميز مثلما عاش وجرب بانفرادها من بين كل المجتمعات في أنها الوحيدة التي لا يختار فيها المضيف ضيوفه، فالبدوي في باديته يستضيف ويرحب بكل طارق وزائر.ويصل إعجابه أقصاه، فيما يتمتع به البدوي من خفر وحياء، من خلال من شاهده، حينما قدم البدوي فنجان القهوة لزوجته التي رافقته في إحدى زياراته للبلدية، فلاحظ أنه يقدم الفنجان وهو يدير رأسه وناظريه عنها، فما كان منه إلا أن تذكر بيتاً لعنترة بن شداد العبسي يقول:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها

3 سبتمبر 2008

مؤسس البابطين للابداع الشعري تستعد لاقامة دورتها ال 11 في الكويت




طولكرم- عدنان حطاب- تستعد مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، لإقامة دورتها الحادية عشرة في الكويت أواخر أكتوبر المقبل، والتي أطلق عليها اسم دورة المعجم نسبة إلى معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، والذي يضم في مجلداته تراجم ومختارات لنحو ثمانية آلاف شاعر وتعمل المؤسسة على إصداره خلال الدورة.
وقال الأمين العام لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين عبدالعزيز السريع «بدأت المؤسسة استعداداتها لإقامة الدورة الحادية عشرة، والتي ستعقد هذه المرة على أرض الكويت، وسيُدعى إليها مئات المفكرين والأكاديميين والمثقفين من شتى أنحاء العالم ومن مختلف الديانات والاتجاهات الفكرية، وستتضمن ندوتين، واحدة أدبية حول المعجم والشعر في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأخرى بعنوان (عالم اليوم: ثقافات ومصالح)، وسيحاضر في الندوتين عدد من الباحثين المتخصصين من العرب والأجانب».
وأشار الأمين العام إلى أن الندوة الثانية هذه تأتي في إطار منهج حوار الحضارات الذي سلكته المؤسسة منذ عام 2004 في أثناء دورتها التي أقامتها في إسبانيا: «دورة ابن زيدون». وأوضح السريع أن المؤسسة ستُصدر بالتزامن مع الدورة مجموعة من الكتب التي سيُعلن عن عناوينها في الفترة القريبة المقبلة، كما سيُقام عدد من الأمسيات الشعرية. وقال «سيتم أيضا في هذه الدورة، توزيع الجوائز على الفائزين بمسابقتها الشعرية»، موضحا أن هذه المسابقة تُقام كل سنتين. ودعا السريع المثقفين والمهتمين في الكويت إلى حضور الدورة الحادية عشرة لإثرائها أدبيا وفكريا، حيث ستشهد احتفالية الدورة المقبلة حشدا كبيرا من الأكاديميين والأدباء والمفكرين من مختلف دول العالم، والذين سيحلون ضيوفا على الكويت ليتحاوروا في جو من الديمقراطية وحرية التعبير. وقد وجه رئيس المؤسسة الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين الدعوات إلى عدد من الشخصيات المهمة وكبار المسؤولين في مختلف الدول، لحضور حفل افتتاح الدورة والأنشطة المصاحبة لها.

18 أغسطس 2008

تقرير حول المياه في الأراضي الفلسطينية 2007

الإحصاء الفلسطيني يصدر تقريراً إحصائياً حول المياه في الأراضي الفلسطينية 2007

بلغت مشتريات الأراضي الفلسطينية من المياه من شركة المياه الإسرائيلية (ميكروت) للاستخدام المنزلي خلال العام 2007 حوالي 49.4 مليون متر مكعب بتكلفة وقدرها 129 مليون شيكل إسرائيلي
المتوسط للأعلام- أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تقريراً إحصائياً حول إحصاءات المياه في الأراضي الفلسطينية عام 2007، ويأتي إصدار هذا التقرير ضمن سلسلة تقارير دورية يصدرها الجهاز عن إحصاءات المصادر الطبيعية بكافة موضوعاتها في الأراضي الفلسطينية.
ويعرض هذا التقرير البيانات الإحصائية المتوفرة لدى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن المؤشرات الرئيسية لموضوع إحصاءات المياه والتي تؤكد أطماع إسرائيل في المياه الفلسطينية، وزيادة سيطرتها وسرقتها للمياه من أحواض المياه الجوفية في فلسطين، وحرمان شعبنا منها وذلك من خلال ممارساتها المختلفة من إقامة الجدار الذي يتطابق مساره مع مسار الأحواض الجوفية، ومصادرة آبار المياه، ومنع حفر الآبار الارتوازية، وغيرها من الممارسات.
تنحصر مصادر المياه في الأراضي الفلسطينية في مصدرين رئيسيين، الأول: المياه الجوفية المتمثلة بالمياه المضخوخة من الآبار والمستغلة من الينابيع، والثاني: عبارة عن المياه المشتراة من شركة المياه الإسرائيلية (ميكروت) حيث بلغ مجموع كمية المياه التي تم توفيرها من هذين المصدرين 335.4 مليون متر مكعب عام 2007، مقارنة مع 319.1 مليون متر مكعب للعام 2006 و315.2 مليون متر مكعب للعام 2005 و295.8 مليون متر مكعب للعام 2004.
وتشير بيانات التقرير للعام 2007 إلى أن آبار المياه الجوفية تعتبر أكبر مصدر للمياه حيث تم ضخ حوالي 241.2 مليون متر مكعب من المياه، يليها المياه المشتراة من شركة المياه الإسرائيلية (ميكروت) حيث بلغت كميتها 49.4 مليون متر مكعب وبتكلفة قدرها 129 مليون شيكل إسرائيلي، وأخيرا الينابيع حيث بلغ تصريفها السنوي 44.8 مليون متر مكعب.
وتشير البيانات أن كمية المياه المضخوخة من الآبار الجوفية عام 2007 قد بلغت في باقي الضفة الغربية (الضفة الغربية باستثناء ذلك الجزء من محافظة القدس والذي ضمته إسرائيل عنوة بعيد احتلالها للضفة الغربية عام 1967) حوالي 68.7 مليون متر مكعب تم ضخها من 306 آبار، وقد توزعت هذه الكمية ما بين 38.1 مليون متر مكعب للاستخدام المنزلي مقابل 30.6 مليون متر مكعب للاستخدام الزراعي، وبلغت كمية المياه المضخوخة في قطاع غزة 172.5 مليون متر مكعب منها 85.5 مليون متر مكعب للاستخدام المنزلي و87 مليون متر مكعب للاستخدام الزراعي.
أما على صعيد الينابيع فتبين البيانات أن أعلى معدل لكمية التصريف السنوي للينابيع للسنوات (2005-2007) كان عام 2005 حيث بلغ 53.6 مليون متر مكعب، بينما أدنى معدل لكمية التصريف السنوي للينابيع كان عام 2007 حيث بلغ 44.8 مليون متر مكعب، أما عام 2006 فقد بلغ معدل التصريف السنوي للينابيع حوالي 51.7 مليون متر مكعب والجدير بالذكر انه لا يوجد ينابيع في قطاع غزة.

كما أن كمية المياه المشتراة من شركة المياه الإسرائيلية (ميكروت) للاستخدام المنزلي واصلت ارتفاعها خلال الفترة 2005-2007 وذلك بواقع 42.2 و43.9 و49.4 مليون متر مكعب على التوالي، مما يعكس ازدياد الحاجة للمياه في ظل نضوب مصادر المياه وازدياد عدد السكان باضطراد.
وبلغت كمية المياه المزودة للاستخدام المنزلي في الأراضي الفلسطينية عام 2007 حوالي 175.6 مليون متر مكعب توزعت بين 85.5 مليون متر مكعب في باقي الضفة الغربية وحوالي 90.1 مليون متر مكعب في قطاع غزة.
هذا وأشارت بيانات العام 2007 أن حصة الفرد الفلسطيني من المياه المزودة للاستخدام المنزلي قد بلغت 135.8 (لتر/فرد/يوم) في الأراضي الفلسطينية، وقد توزعت بين باقي الضفة الغربية 110.2 (لتر/فرد/يوم)، مقابل 174.1 (لتر/فرد/يوم) في قطاع غزة. وقد بلغت أقل حصة للفرد في محافظة طوباس بواقع 46.6 (لتر/فرد/يوم).

15 أغسطس 2008

دولة ثنائية القومية في فلسطين أم في الضفة الغربية ؟!

د/إبراهيم أبراش
Ibrahem_ibrach@hotmail.com
دولة ثنائية القومية في فلسطين أم في الضفة الغربية؟!

تاريخيا لم تشغل فكرة الدولة الفكر السياسي الفلسطيني ولذا لم يكن مفهوم الوطن الذي يقاتلون من اجله يتطابق دائما مع مفهوم الدولة الذي تنتجه التسويات السياسية، وعليه كثرت الدراسات حول الوطن والثورة ، فيما قل التأريخ للدولة الفلسطينية ككيان سياسي وقانوني محدد المعالم كما تعددت التصورات حولها. عرف مفهوم الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي الفلسطيني الحديث وتحديدا منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية 1964 حتى الآن سبعة تصورات أو مشاريع وهي : (1) -في الميثاق القومي الفلسطيني 964 جاء بأن فلسطين ما بعد التحرير ستكون جزءا من دولة الوحدة العربية (2) -وفي الميثاق الوطني الفلسطيني 1968 جاء أن فلسطين بحدودها عام 1948 هي وطن الشعب العربي الفلسطيني دون (3) -ومنذ 1971 تم تبني هدف فلسطين الديمقراطية العلمانية التي يعيش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون على قدم المساواة (4)- وفي عام 1974 تم تبني البرنامج المرحلي الذي يقول بسلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من ارض فلسطين (5) -وفي إعلان الاستقلال بالجزائر 1988 تم تبني هدف الدولة الفلسطينية المستقلة حسب قرارات الشرعية الدولية أي في الضفة والقطاع (6) -و في خارطة الطريق تم الحديث عن دولة مؤقتة ستقام عام 2005 (7) ثم الطرح الإسلامي الذي يتحدث عن دولة الخلافة ،بمعنى تجاوز المفهوم الوطني والقومي للدولة والنظر لفلسطين باعتبارها جزءا من الدولة الإسلامية المأمولة.
اليوم وبعد تعثر المفاوضات وتراجع فرص قيام دولة في الضفة وغزة وفي ظل الانقسام ما بين الضفة وغزة وسيطرة حركة حماس بإيديولوجيتها الدينية التي تتجاهل المفهوم الوطني للدولة، على السلطة في غزة، يعود الحديث مجددا عن الدولة الواحدة أو الدولة ثنائية القومية .هذا التعدد في مفهوم الدولة والانتقال من هدف لآخر ومن تصور لآخر أربك السياسة الفلسطينية وأربك المتعاملين معها ، وأحدث انقساما داخليا ولا يخدم القضية الفلسطينية لأنه يظهر الفلسطينيين كالعاجزين عن تحديد هدفهم وغير الواثقين من شرعية حقوقهم .
وحيث انه سبق أن كتبنا بالتفصيل حول مفهوم الدولة في الفكر السياسي الفلسطيني(يمكن الرجوع لمجلة السياسية الدولية لعام 2005 وإلى موقعنا الالكتروني
www.palnation.net )فإننا سنقتصر في هذه المقالة على تبيان الفرق بين مفهوم الدولة الواحدة كما تم طرحه لأول مرة في نهاية الستينيات وكما هو مطروح اليوم مع التنبيه لخطورة الطرح الحالي.
عندما طرحت حركة فتح الفكرة نهاية الستينيات وتم تبنيها رسميا ضمن مقررات المجلس الوطني الفلسطيني عام 1971 اعتقدت فتح أن فكرة فلسطين الديمقراطية العلمانية ستجد استحسانا من أطراف يهودية عالمية وأطراف دولية لان هذه الدولة ستمنح لليهود المقيمين في فلسطين نفس الحقوق التي هي للعرب الفلسطينيين حيث قالت الحركة:(نحن نقاتل في سبيل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم ... مسلمين ومسيحيين ويهود في مجتمع ديمقراطي تقدمي، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية ). وتأكيدا من فتح على إنسانية الهدف استطرد نفس البيان قائلا :(إن ثورتنا الفلسطينية لتفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر الديمقراطي وان يناضلوا في سبيله بصرف النظر عن اللون أو الدين أو العرق). وفي الدورة السادسة للمجلس الوطني الفلسطيني قدمت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مذكرة للمجلس حددت فيها أن هدف النضال الفلسطيني (إقامة دولة فلسطين الموحدة بعد إزالة الكيان الإسرائيلي وتقضي على التمييز العرقي والعنصري، وتعتمد على حل ديمقراطي للتناحر القائم يستند إلى تعايش الشعبين العربي واليهودي) ،نفس الموقف اتخذته الجبهة الشعبية التي أكدت على المضمون الأيديولوجي لفلسطين الغد التي ستحكمها المبادئ الماركسية اللينينية التي لا خيار عنها في مرحلة التحرير والنضال وفي مرحلة ما بعد التحرير: (فلسطين المحررة ستكون جزءا من مجتمع عربي ثوري جديد... إن المجتمع العربي الجديد الديمقراطي الاشتراكي سيكون قادرا بالاستناد إلى مبادئ الماركسية اللينينية على توفير الحل لكل مشكلات الفقر والتخلف والاضطهاد والاستغلال التي يعاني منها إنسان هذا الوطن... وأن اليهود في فلسطين بعد التحرر سيمارسون شأنهم شأن غيرهم كافة حقوقهم الديمقراطية كمواطنين في مجتمع ديمقراطي اشتراكي.
كان أشد المعارضين لشعار فلسطين الديمقراطية في الساحة الفلسطينية، القوميون، من منطلق أن فلسطين الديمقراطية وبالتعريفات التي أعطيت لها يتناقض مع عروبة فلسطين ومع القومية والوحدة العربية .فرأت طلائع حرب التحرير الشعبية (الصاعقة)، بأنه بالرغم من أن البحث في هذا الموضوع سابق لأوانه، إلا أنها تبدي تحفظها تجاه الدولة الفلسطينية الديمقراطية لان)مثل هذه الدولة تتنافى مع الوحدة العربية التي تؤمن بها، فهي تسعى إلى إقامة دولة عربية واحدة لا حواجز فيها ولا حدود تفصل بين أقطارها، وكل حل للقضية الفلسطينية لا يتفق مع هذا المنطق يبقى حلا مرفوضا من الناحية الفكرية بالنسبة للطلائع)، وبينت الصاعقة أنها (ليست ضد اليهود في فلسطين كشعب) ولكنها ضد الصهيونية، والحل الذي تراه مناسبا هو الحل الاشتراكي باعتباره الحل الإنساني الذي يكفل لليهود العيش بسلام وضمن حقوق متساوية مع العرب في إطار المجتمع العربي الاشتراكي . أما موقف جبهة التحرير العربية فقد اتسم برفض صارم لشعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية، وقام هذا الرفض على خلفية قومية وانطلاقا من تحليل موضوعي لطبيعة المجتمع الصهيوني، واستحالة نجاح أي مراهنة على نبذ اليهود لصهيونيتهم وهو الشرط اللازم للعيش في فلسطين المحررة معهم، وهي من منطلق رؤيتها للصهيونية كنفي لوجود الشعب الفلسطيني، ومن منطلق أن المجتمع الصهيوني القائم على الاغتصاب والعدوان هو مجتمع مضطهِد وظالم بمجموعة، تؤكد استحالة العيش مع هذا المجتمع، فالنقيضان لا يمكن أن تجمعهم أرضية مشتركة أو قيم واحدة. وتنهي جبهة التحرير العربية تحليلها الرافض لشعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية بالقول إن هذا المشروع ــ الدولة الديمقراطية ــ يمثل احتياطيا للحركة الصهيونية تلجا إليه فيما لو أعدمت الوسائل الكفيلة بوقف الكفاح المسلح والمقاومة العربية وهو لن يكون في أحسن الأحوال أكثر من تسوية تراعي فيها المصالح الاستعمارية والصهيونية، على حساب حركة الثورة العربية. مع عدم تجاهلنا لأهمية العامل الإنساني في تبني هدف "فلسطين الديمقراطية" وعقلانية هذا العامل في إطار التعامل مع القضية دوليا، إلا أننا نعتقد أن الدافع الرئيسي وراء تبني هذا الشعار والهدف آنذاك هو تلمس بعض العناصر القيادية في م.ت.ف. وفي فتح تحديدا التي كان لها نصيب الأسد في ممارسة الكفاح المسلح وفي التعامل مع الأنظمة العربية والتصادم معها ،تلمسهم الفجوة الكبيرة ما بين إمكانيات الثورة والشعب الفلسطيني من جهة و تحرير فلسطين عسكريا وإرجاع اليهود من حيث أتوا من جهة أخري ، كان تبني هدف «فلسطين الديمقراطية» منطلق سياسة التسوية بالرغم من أن الثورة الفلسطينية والحالة العربية كانتا أفضل بألف مما هي عليه اليوم .بالرغم من التنازل المُتضمن في هدف فلسطين الديمقراطية آنذاك، فإنه لم يجد إلا كل رد ورفض من الكيان الصهيوني، الذي قام على عقيدة شعب الله المختار، و عمل ويعمل على إقامة دولة يهودية نقية خالصة.فهل ستقبل إسرائيل اليوم ما رفضته سابقا؟.

من الواضح بان العودة للحديث عن خيار الدولة الواحدة تحت عنوان الدولة ثنائية القومية بديلا عن خيار الدولتين، من طرف السيد أحمد قريع كبير المفاوضين ليس مجرد حديث عابر وخصوصا انه طرحه قبل ذلك في يناير 2005عندما كان رئيسا للوزراء وعندما كانت المفاوضات تمر بمأزق.حتى وإن كان المراد من هذا التصريح تبليغ رسالة احتجاج على تعثر المفاوضات و شكلا من التهديد للإسرائيليين أو للتمويه على شيء ما يطبخ في المفاوضات السرية،فأنه ينبني عليه تداعيات خطيرة ويعطي مؤشرات تستدعي منا التوقف عندها وعند فكرة الدولة الواحدة بشكل عام:
طرح فكرة الدولة الواحدة اليوم على لسان قيادي فتحاوي كبير سيُضعف كل جهد ومسعى سواء للحوار لتوحيد شطري الوطن أو للنضال بكافة أشكاله لتحقيق هدف الدولة الفلسطينية.
عندما تم طرح الفكرة لأول مرة في السبعينيات كان كل الشعب الفلسطيني خاضعا للاحتلال ولم تكن هناك سلطة فلسطينية ولا مشاريع تسوية واتفاقات تلزم الفلسطينيين بشي،أما اليوم فهناك سلطة واتفاقات موقعة سواء مع إسرائيل أو مع أطراف خارجة.
لا يجوز التلاعب بالحقوق الفلسطينية وبهدف النضال الوطني بحيث يتم الانتقال من هدف لآخر كلما تعثرت المفاوضات أو فشلت النخبة السياسية في تحقيق الهدف الوطني،فالوضع الطبيعي والعقلاني انه يتم تغيير القيادة أو تنحيها عن مواقعها عندما تفشل وليس تغيير الأهداف مع بقاء نفس القيادات.
طرح الفكرة اليوم وصيرورتها موضوعا للحديث والجدل عند السياسيين والمثقفين الفلسطينيين يعني إسقاط هدف الدولة المستقلة في الضفة وغزة أو تجاوز المشروع الوطني الفلسطيني الذي وُضِعت أسسه في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988.
عندما تم طرح الفكرة لأول مرة بداية السبعينيات كانت الثورة الفلسطينية والوضع العربي بحالة من القوة ومع ذلك رفضت إسرائيل الفكرة ،فهل ستقبلها اليوم في ظل حالة الضعف الفلسطينية والعربية ؟وكيف ستقبل إسرائيل التعايش مع ملايين الفلسطينيين وهي غير قادرة على التعايش والتكيف مع حوالي مليون فلسطيني متواجدين فيها منذ ستين عاما؟.
لقد فشلت الفكرة عندما كان الفكر السائد سواء في إسرائيل أو عند الفلسطينيين فكرا يساريا واشتراكيا ومتفتحا،فهل للفكرة نصيب من النجاح اليوم في ظل فكر ديني توراتي يسيطر على المؤسسة الرسمية الإسرائيلية ويعم إسرائيل التي تسعى لتكون دولة يهودية خالصة،وفي ظل فكر ديني يتزايد انتشارا عند الفلسطينيين وخصوصا في قطاع غزة حيث الحديث عن حكم أولياء الله وحكومة ربانية؟وكيف سيعيش أولياء الله مع اليهود فيما هم غير فادرين على التعايش والتصالح مع أبناء جلدتهم من فلسطينيين مسلمين وعرب؟.
إن الخطورة بطرح الفكرة اليوم تكمن بتجاوز كل قرارات الشرعية الدولية والعربية، من قرار التقسيم حتى المبادرة العربية والتأسيس لشرعية ومرجعية جديدة لا نعتقد أن الوضع الدولي والعربي مستعد وقادر على تأسيسها.
لا شك أنه في حالة فشل كل خيارات التسوية ليس أمام الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق إلا التشبث بأرضهم ولكن فرض وضع الدولة ثنائية القومية يحتاج لنضال لا يقل عن النضال من اجل الدولة المستقلة وهذا يتطلب وجود استراتيجيه فلسطينية واحدة حول هذا الهدف ولا يبدو في الواقع إمكانية وجود هذه الإستراتيجية.
إن من يفكرون بحل الدولة الواحدة إن فشلت كل الخيارات الأخرى عليهم أن يعلموا بان أول خطوة بهذا الاتجاه هو حل السلطة الفلسطينية بحكومتيها لان السلطة جزء من المشروع الوطني،مشروع الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة،ويتطلب أيضا عودة احتلال قطاع غزة حتى يكون العامل الديمغرافي مؤثرا.
ما نخشاه من وراء طرح فكرة الدولة الواحدة في ظل حالة الضعف الفلسطيني والفصل ما بين غزة والضفة واستمرار وجود السلطة الفلسطينية في الضفة،أن تقتصر فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية على الضفة الغربية فقط،وهذا أمر حذرنا منه منذ سنوات ونعتقد بأن مراكز تفكير استراتيجي إسرائيلية تفكر اليوم بهذا الشكل.


15-8-2008

11 أغسطس 2008

رحمك الله يا محمود درويش





د/إبراهيم أبراش
Ibrahem_ibrach@hotmail.com

رحمك الله يا شاعرنا الكبير
ما زال الوطن حقيبة وما زلنا مسافرين

من كثرة ما استهلك شعبنا من عبارات النعي والتوديع للشهداء سواء منهم الشهداء الحقيقيين الذين ماتوا دفاعا عن القضية الوطنية أو شهداء الملصقات أولئك الذين أضفى عليهم صفة الشهادة مَن أرسلهم ليُقتلوا بمعارك الجنون والجهل والفساد من أجل السلطة والجاه.ومن كثرة من بكينا وتألمنا على حالنا ومن حالنا...،لم تعد هناك كلمات تُرقى ويمكنها أن تحيط وتعبر عن حالة الحزن والألم الذي أصابنا لرحيل الشاعر والإنسان العظيم محمود درويش ،هو ليس شاعر فلسطين ولا شاعر العرب فقط بل رسول مُرسل من إله الشعر ليعبر عن الإنسانية بكل ما فيها من معان الجمال والحب والحزن والمعاناة والتضحية،حب الإنسان وحب الوطن،ومعاناة الإنسان ومعاناة الوطن ومن غير محمود درويش كان قادرا على خلق هذا التماهي الجميل ما بين الحب والمعاناة على المستوى الفردي وعلى المستوى الوطني،حيث لا معاناة بدون حب ولا حب بدون معاناة وتضحية،،وكأن إله الكون وإله الشعر أراداه أن يُولد في فلسطين دون سواها ،فكانت فلسطين هي المدخل أو الاستهلال الذي من خلالها عبر بشعره عن هذه القيم الإنسانية العظيمة.
بالرغم من أن حياة الإنسان بيد الخالق عز وجل فهو الذي يهب الحياة لمن يشاء وينزعها ممن يشاء، وبالرغم من أن (على هذه الأرض سيدة الأرض وأم البدايات وأم النهايات ما يستحق الحياة) ولكن يبدو وكأن شاعرنا محمود درويش قرر أن يغادر الحياة عندما وجد أن الحب والتضحية والجمال والوطن والوطنية وكل الكلمات العميقة ذات المعنى التي نسجت ووشحت أشعاره قد انسلخت عن معانيها الحقيقية في واقعنا الفلسطيني ،لقد استشعر الراحل هول التغير المدمر للقضية الوطنية وصيرورتها أداة بيد تجار السياسة والدين والولدان والغلمان،حيث أصبحنا (مختلفين على كل شيء حتى على العلم الوطني) وكتب يقول بألم وغضب (أنت منذ الآن غيرك)،وربما استشعر أيضا أن القضية أصبحت لعبة نرد، القضايا المصيرية فيها بتداولها لاعبون يحسبون نقاط ربحهم وخسارتهم ولكن الوطن دائما هو الخاسر الأكبر.

جاء رحيل محمود درويش في مرحلة تاريخية هي بمثابة المنعطف المصيري والخطير في تاريخ القضية الفلسطينية،مرحلة انتقال من (وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر) إلى مرحلة أصبح فيها الوطن حقيبة والمواطنون مسافرين،كان رفضه بأن يكون الوطن حقيبة هو رفض للغربة والشتات،رفض واحتجاج على ما يلاقيه الفلسطينيون من معاناة وإذلال على الحدود والمطارات العربية،وتوق للعودة للوطن ووضع حد لحالة السفر من المنفى إلى المنفى، وبعد أن أصبح لنا مشروع وطن وعاد الشاعر مع مَن عاد لمناطق السلطة آملا وآملين بأن الفلسطيني المسافر والمشتت سيجد في مناطق السلطة محطة استراحة مؤقتة للمقاتل وللمناضل أو محطة استراحة نفسية ،مناطق سلطة وطنية أو هكذا أسموها أشعرتنا بداية بأن هناك مشروع وطن يمكنه أن يستوعب ويستقبل من تلفظه المطارات والحدود العربية.ولكن وجدنا أن الوطن ليس هو الوطن وفلسطين ليست هي فلسطين ،فحزم من عاد ومن كان صامدا حقائبهم ليبحثوا عن الوطن خارج الوطن عندما وجدوا أن الوطن يتقاسمه الاحتلال من جانب وجماعات رأسمالها في الشراكة مع الاحتلال هو المساومة على قوافل الشهداء ومعاناة شعب وحقوق وطنية وقدسية مقاومة .
رحمك الله يا شاعرنا فمع أننا نحب الحياة اليوم وغدا إلا أن الوطن ما زال حقيبة ومازلنا مسافرين.